الأحد 18 فبراير 2018

«أولياءالله» في مدينة الدار البيضاء لكل اختصاصه الطبي

آخر الأخبار
مغاربة العالم
تابعونا على الفايسبوك

مشردو البيضاء… حكايات تدمي القلب

كازا 24 الخميس 18 يناير 2018

نورا الفواري / عن الصباح 

ليسوا لأنهم متشردون وبدون مأوى، فهم بالضرورة مجرمون أو أصحاب سوابق أو مجانين.

وراء العديدين منهم قصص مؤلمة، وحكايات تدمي القلب وتكسر الخاطر، وعدد منهم «ولاد عائلة» و«قاريين»، لكن تحولات «ليام» وغدر «الزمان»، أوصلهم إلى افتراش «الضص» والتحاف «الكارتون» أو «ميكا» أو «بطانيات» تجود بها أيدي المحسنين، بعد أن كانت أفرشتهم الدافئة، داخل منازل ذويهم، تؤويهم وتقيهم البرد والجوع والمرض.

«الصباح» التقت نماذج منهم، بعدد من أحياء البيضاء، حكوا، بصعوبة، الخطوط العريضة لحكاياتهم، في حين تكفّل جيرانهم وبعض معارفهم، بالتفاصيل المملّة، التي عجزوا عن الدخول فيها، لما قد تثيره في أنفسهم من جراح لا تندمل.

يعيش رضوان (اسم مستعار)، منذ سنوات طويلة، في الشارع.

يتخذ من «كارتونة» في حي بوركون ملجأ له. يعود إليها بعد جولاته اليومية أو كلما احتاج إلى أن يأخذ قسطا من الراحة، خاصة أن سنه المتقدمة لم تعد تسمح له بالتجول في أحياء البيضاء لفترة طويلة من الوقت.

جميع «قدامى الحومة» يعرفونه و«كا يتهلاو فيه، لأنهم يعرفون قصته.

لا يحب رضوان كثرة الكلام. ويفضل الصمت أحيانا على الإجابة عن أسئلة تقلّب عليه المواجع.

يقول في رد مقتضب على سؤال «الصباح» إن كان غير مرتاح في عيشته تلك: «تعودت على الأمر. ومع مرور الوقت أصبحت أشعر بالراحة، لأنني في حيي ومدينتي، والجميع يعرفني».

من «كاراج» إلى «كارتونة»

يعيش رضوان على إعانات سكان حيه، خاصة أولئك الذين يعرفونه جيدا ويعرفون حكايته. يجد في كل منزل ودار من يقدم له جميع ما يحتاجه من أكل وشرب وأغطية، ومصروف للجيب أيضا.

«كل واحد وباش كا يجود عليا.وبعض سكان الحي يمنحونني المال لأنهم يعرفون جيدا أنني لا أتعاطى أي نوع من المخدرات. أشتري به السجائر فقط. إنها بليتي الوحيدة. ومرة مرة بعض قناني الجعة الرخيصة»، يقول.

يحكي أحد سكان الحي لـ«الصباح» قصة رضوان بكثير من الحسرة والتأثر.

فالرجل، الذي تجاوز اليوم الستين من عمره، كان صاحب «كاراج» لإصلاح السيارات وبيع قطع الغيار، كما كان يعيش مع أمّه في بيت متواضع لكنه «محترم». وكان مدلّل والدته التي كانت تربطه بها علاقة قوية جدا إلى درجة رفضه الزواج وتأسيس أسرة خوفا من الابتعاد عن حضنها.

مأساة رضوان ستبدأ بوفاة والدته.

الحدث الذي تسبّب له في صدمة نفسية قوية جعلت إقباله على الحياة وحماسه للشغل والعمل يتراجعان تدريجيا إلى أن انعدما تماما.

ولأنه لم يكن على وفاق تام مع أشقائه، طلب إرثه، الذي لم يكن يتعدى مبلغا بسيطا، بذّره في «لالة ومالي وتقرقيب السطالي»، قبل أن يلجأ إلى بيع محله التجاري، ليجد نفسه في الشارع بعد نفاد ماله.

رضوان اليوم شخص انطوائي، يجلس في زاويته بالحي لا يكلّم أحدا.

لا يطلب صدقة من أحد، وكلما جادت يد محسن، حرّك رأسه علامة شكر.

ملامح وجهه، رغم ما أصابها من انكماش وتجاعيد، ما زالت تشي بعنفوان رجل لم يقدّر جيدا «صروف» الحياة، فأظهرت له وجهها البشع.

«الزماكرية» التي جنّنها العشق

سعيدة حالة استثنائية. حكايتها تصلح أن تكون فيلما سينمائيا.

جاوزت الأربعين من عمرها. ملامحها، رغم أثر الزمن الأغبر و«الهمّ»، ما زالت تحمل من «الزين حروفو».

ابنة عائلة بيضاوية متواضعة هاجرت إلى فرنسا ضمن الجيل الأول من «عمالنا في الخارج». وفي باريس، درست سعيدة وحصلت على شهادة الباكالوريا قبل أن تعود ذات عطلة صيف إلى الديار لقضاء عطلتها، حيث كانت على موعد مع «خطيئتها» التي ستحول حياتها رأسا على عقب.

تعرفت سعيدة (اسم مستعار) على شاب وسيم عاشت معه قصة حب «ولا في الأفلام»، انتهت بزواج وانتقال للإقامة في عاصمة النور، قبل أن «يتسيف» الشاب تماما ويظهر بوجه آخر بمجرد تسوية وضعيته.

هجر سعيدة والتقى أخرى وأصبح يعيش حياته بالطول والعرض، وهو ما لم تتمكن من استيعابه، لأنها كانت عاشقة حد الجنون، فكانت الصفعة والصدمة الكبرى في حياتها، التي لم تتمكن من تجاوزها، فبدأت بوادر المرض النفسي تظهر عليها.
عادت سعيدة إلى المغرب لتعيش مع والديها وأختها الذين فضلوا العودة إلى الوطن. ورفضت تماما العودة إلى فرنسا حيث ذكرياتها البشعة والأليمة، مثلما رفضت حصص العلاج وتناول الأدوية.

كانت تقعد في البيت لماما، وتهيم في الشوارع أياما وليالي قبل أن تعود إلى زاويتها في «حومة» قريبة من منزل والديها، حيث تجلس لتدخين «حشيشها» والنقاش مع «ولاد الدرب» حول مواضيع السياسة والفن والمجتمع.

وحين يصل النقاش ذروته، ويستفزها أحد برأي مخالف، تصعّد سعيدة وتيرة صوتها وتبدأ في الرطن بفرنسية سليمة لا تشوبها شائبة أو خطأ، إلى أن ينفض الجميع من حولها حين تنتابها نوبة صراخ التي لا تنتهي إلا مع خيوط الصباح الأولى، حين تستسلم لنومها.

(رفضت سعيدة الاستجابة تماما لطلب “الصباح” بالتحدث إليها، رغم كل محاولات طمأنتها، وخوفا من أن تكون لها ردة فعل عنيفة، لجأنا إلى شهادة الجيران و”ولاد الحومة).

«الـقـرايـة تـسـطـي»

يتداول سكان شارع «ك» جميعا، من صغيرهم إلى كبيرهم، حكاية مصطفى. ويجمعون تماما على أن «القراية هيا اللي سطاتو».

مصطفى ابن عائلة بيضاوية غنية. فضل أن يظل بدون مأوى ويعيش في الشارع، بدل أن يكون بين أهله الذين يقطنون في فيلا راقية، يسهر على راحته «الخدم والحشم». لا أحد، فهم سبب تغير حاله بين عشية وضحاها، بعد أن نال الإجازة وشهادة من أحد المعاهد العليا الخاصة، وحصل على وظيفة هامة بإحدى الشركات متعددة الجنسيات، وكان أمامه مستقبل واعد.

يقول أحد أفراد عائلته: “لم تكن تبدو على مصطفى ملامح المرض أو أي شيء غير طبيعي. بل كان شخصا عاديا يستيقظ صباحا إلى عمله ويعود إلى بيته بعد نهاية دوامه. حتى المقاهي أو الحانات لم يكن يرتادها”.

كان مصطفى حريصا على الانزواء في غرفته كل مساء بعد عودته من العمل، وأيام العطل والأعياد. لا يكلم أحدا ولا يرد على أحد. يزعجه أن يتم اختراق لحظات خلوته مع نفسه ومع كتبه، وقد تكون لديه ردود أفعال على ذلك، عنيفة، ومبالغا فيها أغلب الأحيان. لذلك، حين غادر البيت وخرج إلى الشوارع هائما، اعتقد الكل أن عالم الكتب والروايات استحوذ على عقله تماما وأخذه من الواقع.

مصطفى ليس مجنونا. يقول فرد عائلته، «في لحظات صفوه وصفاء ذهنه، يعود إلى البيت ليستحم ويتناول طعاما ويشاهد التلفزيون ويتحدث معنا وكأن شيئا لم يكن، وكأنه لم يغادر منزله أبدا. وبعد مدة قصيرة، يغادر من تلقاء نفسه، دون أن يخبر أحدا».
يقول جيرانه: “مصطفى شخص مثقف. حين يفتح نقاش حول موضوع ما، تجده يتحدث برصانة وعمق، وتحسه متمكنا مما يقوله وضابطا لمعلوماته. لا أحد يستطيع مجاراته والجميع يستفيد منه”.
لا يتعاطى مصطفى المخدرات. كما أنه لا يدخن ولا يشرب. إنه فارع الطول ووسيم. «وسامته هي التي جلبت عليه المشاكل. أكيد أعجبت به جنية فجعلته ممسوسا»، تقول عجوز من الحي، في تفسيرها لما وقع.