السبت 29 أبريل 2017

إعادة تأهيل المدينة القديمة… السرعة القصوى

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

رمال «تيري بيري» الوحش الذي يتربص بمباني كازابلانكا

عبد الوهاب بارع الأربعاء 10 غشت 2016

توقف نور الدين أمام تلة من الرمال، قرب أحد المنازل المراد بناؤها، بأحد الأحياء الشعبية، دقق فيها مليا، رفع حاجبيه اهتماما، ثم أمسك حفنة منها، قلبها بين أصابعه، فندت عنه ابتسامة تحمل مزيجا من السخرية والحنق، إنها ليست رمال حقيقية، بل هي "الشينوية" أو "تيري بيري" في أحسن الأحوال، لتظل هاته الأنواع المماثلة لرمال البناء، خطرا حقيقيا على مباني العاصمة الاقتصادية، والتي يعلم أمرها "الطاشرونات" وأصحاب مستودعات بيع الرمال...

"يصعب على المواطن العادي أن يميز بين الرمال الحقيقية، وبين تلك المغشوشة، التي أصبحت تغزو أسواق معدات البناء بالعديد من المدن خاصة الدار البيضاء والمدن المحيطة بها، لكن الفرق واضح بالنسبة لأصحاب الميدان، وحتى للخبراء ومهندسي البناء، لكن لا من يحرك ساكنا.."، تحدث نور الدين بمزيد من الحنق الواضح، وهو يقلب حبات الرمال المغشوشة بين أصابعه في حركة تنم عن كونه خبيرا في أمور الرمال التي تستعمل في البناء، قبل أن يضيف :"لا يعقل أن يشتري المقاولون الرمال بأثمنة تتراوح بين 4000 و5000 درهم لحمولة الشاحنة الثقيلة "رموك"، في حين أن ثمنها الحقيقي يصل إلى 8000 درهم.."
حسب الخبراء في ميدان الرمال، فإن رمالا غير صالحة للبناء يتم اعتمادها من طرف العديد من المقاولين، وذلك للحصول على أكبر هامش من الربح في صفقات البناء التي يعقدونها.

«تيري بيري» و«الشينوية» الخلطة السحرية

تسترعي انتباهك وأنت تقف أمام إحدى مستودعات بيع الرمال، مجموعة من الآلات، وهي تشتغل بطريقة احترافية، في تقليب أكوام من الأتربة مختلفة الألوان، بعضها أبيض، وهو ما يعرف بـ"بياضة"، وبين أخرى مائلة إلى الحمرة، وبين ثالثة مائلة إلى السواد، يشبه إلى حد كبير ما يقوم به الرسام في خلط الألوان وجعلها تنسجم مع بعضها لتشكل خليطا متجانسا يجعلك تكاد تقسم أنها رمال نقية جلبت للتو من مدينة الصويرة أو مهدية أو أي من المدن الساحلية التي تعتمد الأبنية بمدينة البيضاء والنواحي على رمال شواطئها في منظومة العمران.

لكن الفرق بين الخلطتين، هو أن الرسام يحاول ما أمكن أن يدهش زوار المعرض والنقاد والفنانين بذوق راق، ولوحة فنية متميزة تبعث الحياة في نفوس المتفرجين، في حين أن خلطة مستودعات الرمال، تحاول ما أمكن أن تخدع المقاولين والمشترين، وتنتج لهم خلطة سحرية قد تسلب حياة السكان على غفلة منهم وهم ينعمون بالطمأنينة في مسكن شيد حديثا، كما حدث في السنوات الأخيرة حين انهارت عمارة حديثة في مدينة القنيطرة مخلفة ضحايا في الأرواح، لا ذنب لهم سوى أنهم وثقوا في المقاول واقتنوا شققا لعيش فيه شيء من الكرامة، قبل أن يصبحوا ضحايا مؤامرة حيكت ضدهم على حين غرة.
يحكي السي احمد وهو رجل خبر كثيرا تجارة الرمال كيف توصل فنانو صناعة الموت إلى الخلطة التي تدر عليهم أموالا في غفلة عن المسؤولين والمراقبين:"حين تكون بعض الشاحنات قادمة باتجاه الدار البيضاء، تتوقف عند أتربة قريبة إلى الحمرة، وهي موجودة بكثرة بنواحي مدينة القنيطرة، وتحمل أطنان منها بالمجان، لتدفعها لأصحاب المستودعات بأثمنة هزيلة، حينها يعمل المحترفون على خلطها برمال ضعيفة الجودة، لتصير متجانسة، وهذا النوع يطلق عليه بين العارفين للميدان ب"الشينوية" نسبة إلى ضعف جودتها على غرار السلع الصينية التي غزت المغرب وكسرت كل الأثمنة، وبالتالي فإن ثمنها في السوق، مقارنة بالرمال ذات الجودة العالية، يكون منخفضا وفي متناول المقاولين الذين يكون همهم تقليص النفقات للربح أكثر في الصفقات التي يعقدونها سواء مع المواطنين العاديين أو مع شركات البناء.."

«الشينوية».. الخطر القادم من الغرب 

تأمل سي احمد طويلا، ومرر يده اليمنى على وجهه الذي يبدو أنه لم يحلقه لأيام، ثم لمعت عيناه الضيقتان قبل أن يسترسل في القول بلغة الخبير :"تتركب خلطة رمال "الشينوية" من "الحمري" المستقدم من غابة المعمورة ضواحي القنيطرة، أو من الأتربة المستخرجة من عمليات البناء الخاصة بالمجموعات السكنية بتلك النواحي، حيث تقوم الشاحنات القادمة من المدينة بتحميل تلك الأتربة بقيمة 200 درهم، في غفلة عن المراقبين واستقدامها إلى مدينة الدار البيضاء والنواحي وبيعها للمستودعات ب2000 درهم، حيث يقوم أرباب المستودعات بخلطها بتراب أبيض يطلق عليه "بياضة" الذي يتم استخراجه من باطن الأرض بالدار البيضاء عن طريق أشغال البناء سواء للفيلات أو الإقامات السكنية، والتي تبلغ كلفتها حوالي 400 درهم لحمولة الشاحنة الثقيلة بسعة 30 مترا مكعبا."
صمت قليلا،، كأنه يستجمع أنفاسه ويرتب أفكاره ليعاود الحديث بتلقائية وثقة :"يقوم أرباب المستودعات بخلط نوعي الأتربة عبر الآلات، للحصول في النهاية على خلطة "الشينوية" التي يتم بيعها بمبلغ يناهز 9000 درهم بعد توزيعها على شاحنات صغيرة الحجم تصل سعتها ما بين 12 إلى 19 متر مكعب، وأغلبها متوقفة في سوق بيع الرمال، ولا تتوجه إلى المقالع، لأن معظمها لا يتوفر على الأوراق والوثائق الإدارية والقانونية. وهذه الأسباب المختلفة أدت إلى ثراء بعض أصحاب المستودعات بسرعة، حيث أن بعضهم أتوا من قرى نائية لا يملكون شيئا، واشتغلوا بالميدان واستغلوا ضعف المراقبة، ليجمعوا أموالا طائلة بطريقة الغش، ويصيروا من الأغنياء.." ظهر على سي احمد شيء من الضيق والقلق، وكأنه يسترجع شريط كابوس جثم على أنفاسه، استخرج سيجارة من جيبه وأشعلها وأخذ منها نفسا عميقا جدا ثم نفثه، كأنه يطرد الهموم مع دخانها الأبيض الكثيف.

«تيري بيري» الوحش الذي بسط سيطرته على المباني

يصفها مهتمون بأنواع الرمال بالوحش المخيف الذي يهدد المباني الجديدة بالانهيار، وذلك بعد الترخيصات المشبوهة التي يحصل عليها مقاولو البناء، وذلك ناتج إما لعدم تمكن المهندسين المعماريين والخبراء من اكتشاف الخدعة، أو لترك الأمور تسير مادام في الأمر تفاهما بين الطرفين.
رمال "تيري بيري" الأكثر انتشار وشيوعا في أوراش البناء سواء الفردية الخاصة أو الكبيرة، أو حتى تلك التي تشرف عليها مؤسسات تابعة للدولة، وتتلخص خطورتها في تشابهها الكبير مع الرمال الحقيقية.
تردد نور الدين قليلا قبل أن يبدد شكوكه، ويطلق العنان لكلماته الحارة وكأنها تحرق خاطره فيلفظها كحمم بركانية :" نعم إنها خدعة كبيرة، وقمة الغش الذي قد يهدم المباني الجديدة في سنوات قليلة..".
استخرج هاتفه النقال من جيبه وضغط على رز في محاولة لعدم الإجابة على مكالمة واردة، وللتخلص من الصوت المزعج لترتيب أفكاره، ثم واصل حديثه باندفاع، وكأنه شاهد إثبات في جريمة قتل أمام هيئة الحكم :"يتم خلط رمال "الشينوية" مع رمال منطقة أزمور المعروفة بلونها المائل للسواد، بالإظافة إلى تراب أصفر يتم استقدامه من مكناس والنواحي، ثم يتم مزج الخليط برمال منطقة "الصويرية"، أو الصويرة القديمة الواقعة بين مدينتي آسفي والصويرة، المعروفة بجودتها، وذلك بنسبة تقارب ربع الكمية لكي تنطلي الخدعة على المشتري، ويصل وزن الجميع بعد الخلطة السحرية حوالي 100 متر مكعب، حيث يتم بيع حصيلة "تيري بيري" التي يتم توزيعها على الشاحنات الصغيرة بمجموع ب15000 درهم، في حين لا تتعدى قيمة الخلطة السحرية بأكملها 5000 درهم."

قطع نور الدين حديثه، وصمت لحظة، وكأنه يصغي لوقع كلامه الذي لا يخلو من مفاجآت، نفخ صدره في زهو كأنه لاعب كرة قدم سجل هدفا مهما لفريقه أهله لنهائي مسابقة كبرى، ثم ابتسم كأنه يهنئ نفسه عن البوح بسر لم يقدر الكثيرون الجهر به، ثم رفع رأسه في حركة تمثيلية، واسترسل سلسلة البوح العظيم :"يجب أن تعلم أن هاته الرمال المغشوشة يتم استخدامها في مجموعة من أوراش البناء الصغرى منها والكبرى، كمنطقة إعادة إسكان المستفيدين من كريان سنطرال بالحي المحمدي، قرب مقبرة الغفران بالهراويين، ومشروع الرحمة بالحي الحسني، ومشاريع سلام أهل الغلام المخصص لساكنة دواوير الرحامنة وطومة والسكويلة، كما يتم استعمالها أيضا في مشاريع إعادة إسكان دواوير الصفيح بنواحي المحمدية وبوسكورة والدروة وبرشيد ودار بوعزة والخيايطة، و"ليساسفة".
يتخوف مهتمون وعارفون بحالات الغش التي تطال رمال البناء، من كوارث خطيرة تتهدد البنايات التي تستعمل رمال "الشينوية" و"تيري بيري" بالانهيار في أي لحظة، حيث وصفت هاته الرمال بـ"الوحش الذي يهدد معمار البيضاء والنواحي بالانهيار" حيث تشير المعطيات المتوفرة إلى غياب فعلي للمهندسين ومراقبي البناء، ما دامت التوقيعات على سلامة الأبنية تتم بسلاسة.

الرمال تنهب بدون مراقبة

حسب معلومات حصلت عليها "كازا24" وهي تغوص في عالم الرمال بأنواعها المغشوشة منها، وحتى السليمة التي يتم استقدامها بطرق غير مشروعة، تقوم مافيا مشكلة من أصحاب المستودعات، وآخرين لا يملكون إلا الشاحنات وروح المغامرة بسرقة الرمال الجيدة من الدار البيضاء والنواحي، بعد أن ضعفت المراقبة التي كانت قبل سنوات مشددة، حيث كانت الأمن والدرك يراقبون ورقة خروج الرمال والأتربة من المقالع، لكن في الآونة الأخيرة اختفت هاته المراقبة تقريبا مما فتح المجال لمافيا تهريب وسرقة الرمال إلى النشاط بشكل مهول، حيث صارت رمال شواطئ عين السبع، طماريس، سيدي رحال، والشواطئ البعيدة نسبيا عن التجمعات السكنية، ليتم تحميل رمالها ليلا ونهارا، وهو ما يساهم في الخطر البيئي الذي يتهدد المناطق الشاطئية، كما هو الحال بالنسبة لشواطئ الصويرة القديمة التي تمت تعريتها.

الرمال المغشوشة.. كارثة في الطريق إليكم

أكد أحد المهندسين المعماريين أن الرمال المغشوشة، التي تتكون من نسبة مهمة من الأتربة غير المتماسكة، قد تؤدي إلى كوارث إنسانية بإمكانها حصد الأرواح بارتداد أرضي بسيط، أو بتعرضها لعوامل طبيعية كالعواصف والأمطار القوية، أو حتى زلزال بسيط.
وأوضح المتحدث الذي رفض ذكر اسمه، أن الكارثة تصير محققة إذا استعملت الرمال المغشوشة في "الضالة" أو الاسمنت المسلح، وهو الركاز القوي والدعائم المطلوبة لضمان سلامة المبنى، حيث أن تركيبتها الكيميائية في خليط الإسمنت والحصى والحديد، يجعلها معرضة لفقدان التماسك المطلوب، مفصلا أن طبيعة الرمال السليمة تجعل حبيباتها تتماسك مع الإسمنت والحصى والحديد لتنتج في النهاية خليطا منسجما، عكس الأتربة أو الرمال المغشوشة التي لا تستطيع التماسك مع باقي المكونات، وذلك لحاجتها إلى الأوكسجين لوجود فراغات مفعمة بالهواء، وهو ما يدفعها إلى البحث عن الأوكسجين والتنفس، لتكون النتيجة في النهاية تشققات واضحة في الأبنية، وهو ما نلاحظه جليا في مجموعة من البنايات في التجزئات السكنية بالخصوص.
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من سكان التجزئات السكنية لاحضوا تشققات على العمارات خاصة على مستوى الجدران، مما رفع وتيرة التخوف من انهيارات قد تكون كارثية وتحصد أرواحا بريئة.

تحقيقات