السبت 25 فبراير 2017

«طورطوني» و «لابييلا» ..أكثر من فنجان قهوة

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

درب غلف معقل قراصنة المعلوميات والباحثين عن أحدث التكنولوجيا

كازا 24 الجمعة 12 غشت 2016

سوق درب غلف بالبيضاء أشهر من نار على علم وتجاره يعملون بمنطق«بع البضاعة واحذر من الزبون ولا تقبل تسلم الشيكات وإلا ستجد نفسك غدا مفلسا في الصباح».

ورغم أن القانون يلاحق قراصنة الجوطية فإن«الإرادة الشعبية» تذكي حماسهم.

 لاتعدو أن تكون «جوطية» درب غلف في الدار البيضاء، مجرد أزقة صغيرة ضيقة، متربة صيفا ،تغرقها أصغر زخة مطرية في الشتاء. و تجار أحد أشهر أسواق البضائع المهربة في المغرب مازالو ا يتسعينون بمحولات كهربائية تعمل بالبنزين لتشغيل المعدات الإلكترونية المعدة للبيع،يخافون من أن تمتد ألسنة النيران إلى محلاتهم .

كل يوم يحج المئات من المواطنيين إلى" جوطية درب غلف".

السوق مفتوح على الهواء الطلق و هو أشبة بمنطقة للتجارة الحرة بالنظر إلى وفرة السلع المهربة التي تعرضها محلاته.

غير بعيد عن شارع عبد المومن( أحد أهم شوارع المال والأعمال في الدار البيضاء) يقبع سوق درب غلف التاريخي في مكانه غير آبه بالعمارات السكنية التي تنبت باظطراد حوله، يستقبل كل يوم الباحثين عن أرزاق قد يكون مصدرها الإتجار في الأجهزة الإلكترونية المهربة أو الأقراص المدمجة المقرصنة.

لم بعد هذاالفضاء المترب يقلق السلطات المغربية كما كان في السابق، ورغم استصدار قانون لحماية حقوق المؤلفين والقيام بحملات لحجز "السيديات" في السوق فإن الأدوات الإلكترونية تباع كل يوم في حوانيت السوق وبدون فاتورة.
تجارالسوق وزبناؤه راضون على الخدمات التي يقدمها لهم .ولا يعبؤون بقانون الملكية الفكرية المغربي الذي يجرم القرصنة .
هنا، في" جوطية درب غلف"تعرض أحدث الأفلام وبرامج الكمبيوتر والهواتف النقالة للبيع والأقراص المدمجة التي مصدرها القرصنة .
قبل عرض هذه"السيديات" على العموم بسعر مغر لا يتعدى عشرة دراهم، وسوق"درب غلف" ينعت ب" قلب تجارة البضائع المزيفة في العاصمة الاقتصادية للمغرب" وب"حكومة الظل الخفية" و"هو محج للمجددين في عالم المعلوميات، ويضم نحو 3000 متجر غير مزودة بمياه الشرب و الكهرباء و قنوات الصرف الصحي.

"العافية" والمخزن والفيضان

أكد تجار عديدون أن محلاتهم الصغيرة مهددة باستمرار بأن تشملها سلسة الحرائق التي تندلع بمرافق "الجوطية" كل سنة. مشددين على أن شركات التأمين ترفض التعامل مع التجار بشكل قاطع عندم يتقدمون إلى هذه الشركات للتأمين على الأخطار التأمين ، وزادوا قائلين إن مبرر المؤمنيين تقول إن السوق عشوائي و غير مهيكل وهو مهدد في أية لحظة بالحريق.
يقع السوق بين شارعي أنوال وشارع روبير انظارانى.المهنيون العاملون في السوق أن الحرائق تتهدده باستمرار وكذلك الفيضانات في فصل الشتاء. مشددين على أن الأمطار تغرق الجوطية في الأوحال و الجداول الصغيرة من المياه تنساب بين أزقة السوق المتعرجة لتتسلل إلي داخل النحلات التجارية وتهدد السلع بالتلف.
ورغم أن التجار يدفعون ضرائب مهمة لخزينة الدولة فإن السوق لم يجهز بأية مرافق " اللهم مرحاض عمومي نتن يستعلمه جميع التجار."، يقول تاجر مهتاجا ردا عن سؤال حول ما يمكن زن تكون قد بذلته مقاطعة المعاريف الحضرية التي من المفترض فيها تزويد السوق بالمرافق الأساسية والندخل لدى شركة"ليديك" لتزويد المحلات بالماء والكهرباء.
شاهدنا عمال متاجر في الجوطية لا يكفون على حث الزبون على اقتناء أجهزة الكترونية ومعدات الكمبيوتر، بعض العاملين في الجوطية قالوا إن الكثير من السلع المعروضة في السوق تباع بدون فواتير أوضمانات الخدمة بعد البيع ،كما هو معمول به في قطاع أدوات التجهيز المنزلي في المغرب.
تشهد الجوطية نشاطا تجاريا يزدهر بشكل لافت مع نهاية الأسبوع .

و التجار أكدوا أنهم لم يعودوا يجنون أرباحا ترضيهم كما في السابق ،بسبب احتدام المنافسة.

التجار يظلون حذرين وهم يفاوضون زبنائهم حول الأسعار . والذين قبلوا التحدث إلينا قالوا إن هذا السوق يمتلك"تاريخا" وأن التجار ظلوا يعملون هنا منذ أيام الحماية الفرنسية .
لم يذكر التجار تحديدا العام الذي بدأ فيه العمل في سوق درب غلف، قالوا فقط إنه ظل قابعا في مكانه منذ الأربعينيات .
يتراوح سعر المحل التجاري الواحد مابين ستين ومائة وعشرين مليون سنتيم . وبعض التجار في السوق أبدوا استغرابهم من إقدام التجار الجدد على شراء محلات بهذه الأسعار وقال تاجر"أعتقد أنهم مجانيين، فحتى لو اشتغل الوافد الجديد على السوق بكد ومثابرة لمدة عشرين سنة فلن يستطيع كسب ما دفعه في شراء المحل" وأضاف"أستغرب لمثل هذه المغامرة التي لا يمكن أن يقدم عليها تاجر شاطر."
يؤكد التجار، أنه و خلال السنوات المنصرمة ،صار الرواج التجاري في جوطية درب غلف يشهد انحسارا ملحوظا.وأرجعوا سبب ذلك إلى احتدام المنافسة وإغراق السوق بسلع جديدة.
وقال ( عبد الحق.ش)، التاجر الذي يبيع أجهزة استقبال القنوات الفضائية و معدات إلكترونية، بنبرة حائرة " كل أسبوع تتجدد السلع المعروضة، وتصيرالبضائع التي اقتنيناها كتجار الأسبوع الماضي"موضة قديمة" مما يدفعنا إلى بيعها بسعر الجملة الذي سددناه مقابل شرائها ، وغالبا ما نبيعها بسعر أقل من ذلك في بعض الأحيان."
ثم ونحن نتقدم عبر أزقة ضيقة ،شاهدنا قطع خردوات بدون قيمة.
أواني منزلية تخلى عنها أصحابها،ملابس رثة مستعملة.على الأرض نشرت سلع رخصية كما اتفق، بجانبها عربات خشبية لبيع عصير الليمون أوالحلزون المسلوق. من هذه العربات تنبعث روائح بهارات نفاذة تتسلل إلى أنوف المارة .
بائع عصير الليمون يستحث المارة على شرب كأس عصير في هذاالطقس الحار .
بائع العصيرظل يردد لازمة وحيدة من فم تساقطت جل أسنانه" برد يا عطشان،الليمون بتلاثة دراهم، فايدة وحلاوة."
توغلنا في أزقة ضيقة بالكاد تسمح بمرور شخصين، على الجانبين تصطف أكواخ إسمنية واطئة مغطاة بالزنك ، تنتظم هذه"البراريك" في شكل متاجر صغيرة يعرض أصحابها الملابس الإيطالية بأسعار تفضيلية وتجهيزات المكاتب والأسطوانات المدمجة والمواد غذائية المهربة .
تصل مواد التهريب إلى سوق درب غلف بعد أن تكون قطعت "طريق الحرير" المغربية ، وهي المنافذ التي يستقدم عبرها المهربون السلع من الجزائر عبر مدينة وجدة الحدودية أو من إسبانيا عبر مدن سبتة وملييلية والناظور والفنيدق وطنجة.

عشرون درهما لبطاقة جوال

في هذا السوق تباع المنتجات العالمية المقلدة بأسعار مغرية تسيل لعاب المغاربة،و سعر قرص جهاز "الدي في دي"المقرصن لا يتعدى العشرة دراهم في أسوأ الأحوال.
يصل سروال الجينز المقلد إلى 100درهم،أما المنتجات الالكترونية القادمة من وراء البحار كالصين واليابان من أجهزة الفارز وآلات تخزين المعلومات المكتبية ،مثلها مثل الموسوعات العلمية،تباع بسعر التراب بالنسبة لمستعملي التقنيات المعلوماتية في المغرب.
في زقاق ضيق جلس شخص في الأربعين من عمره، يعرض بطائق "جوال"، وبإمكان رواد السوق شراء بطاقة لشركة"ميديتيل" أو" اتصالات" تتضمن رقم هاتف جوال بسعر قدره عشرين درهما فقط.
بعض التجار أعربوا ل"المساء"عن رغبتهم تحسين وضعية السوق ،وقالوا إنه يشهد معدل حرائق يفوق الثلاثة كل عام ، كما طالبوا سلطات ولاية الدارالبيضاء بتوفير مياه الشرب والكهرباء والأمن واشتكوا من كثرة اللصوص والمتسولين الذين يطاردون الزبناء في كل المنافذ ومرائب السيارات في الخارج .
أما غالبية التجار، وهم يمثلون الصورة الحقيقية للسوق،فقد استطاعوا أن يتكيفوا مع الوضع بعد أن أسقط في يدهم وملوا من انتظار وعود أطلقتها ولاية المدينة في السابق بترحيلهم أو إعادة بناء المحلات بمواصفات مهيكلة.
فإبراهيم،صاحب متجر للتجهيزات المنزلية، يشدد على أن" الرواج التجاري انحسر خلال السنوات الماضية بشكل كبير" وقال إن الثقة التي كانت تربط سابقا التجار بزبنائهم صارت مفتقدة وأن هناك من التجار من زج بهم في السجن بسبب الشيكات بدون مؤونة، وقال إن آخرين أفلسوا .ففي"رمشة عين" أصبحوا فقراء وفي وقت وجيز، وأضاف"شخصيا أعمل بمنطق بع البضاعة واحذر مع الزبون ولا تقبل تسلم الشيكات من الزبائن مهما انخفظت قيمتها وإلا ستجد نفسك غدا مفلسا يستجدي المارة في الشارع."

قانون وغرامات 

بهدف الحد من خطورة القرصنة الأدبية والفنية كان مجلس النواب قد صادق ،قبل سنتين ،على قانون يحمل رقم 34/05 يتعلق بحقوق التأليف .

يتوخى هذا القانون معاقبة "كل أشكال القرصنة"و يتضمن عقوبات سالبة للحرية تترواح بين شهرا وشهرين كعقوبة حبسية وغرامة تتراوح مابين 10000 و100000 درهم،وفي حالة العودة لممسارسة نفس النشاط فإن العقوبة ترتفع لتصل مابين سنة وأربع سنوات سجنا وغرامة تتراوح مابين60000 درهم و600000 درهم .
وبموجب هذا القانون ،أضحى قراصنة المعلوميات المغاربة، هدفا سهلا للمكتب المغربي لحقوق المؤلف بعد أن تم توسيع سلطاته ومده بوسائل قانونية ولوجيستيكية.
وهكذا صارالمكتب المدافع عن حقوق المؤلفين يلاحق "المذنبين"و يمارس مهمته حتى دون أخذ الإذن من ممثل الحق العام ،كما أن القانون الجديد حث السلطات العمومية على تقديم العون للمكتب المغربي لحقوق المؤلف.
"لقد أضحى نسخ فيلم أو برنامج معلوماتي أو عرض أشرطة مقرصنة للبيع يقود فعلا إلى السجن"، يقول عمر ج ،صاحب عربة لبيع أقراص"السي دي" بسوق درب غلف،مؤكدا أن الحكومة المغربية صاغت القانون استجابة لضغوطات قوية تقف وراءها الشركات العالمية الكبرى، و ضمنها "مايكروسوفت ".
وزاد عمر قائلا " نحن مجرد باعة صغار في سوق درب غلف ،أما القراصنة العاملون في ميدان قرصنة ونسخ الأفلام المغربية والأجنبية والأشرطة الغنائية فهم يشتغلون في ورشات اشبه بالمعامل الصغيرة تكون بعيدة عن السوق. صحيح أن السلطات تقوم أحيانا بمداهمة هذه المصانع الصغيرة وتحيل من تعتقلهم على العدالة ،لكن هل تستطيع فعلا السلطات أن تقف في وجه هذا المد المتسارع الذي تكرسه الإرادة الشعبية."
أي مد شعبي ، سألته.
رد قائلا "هل بإمكان المواطن المغربي المحدود الدخل أن يشتري نسخا أصلية لأفلام وأغاني أجنبية أو عربية ،مامصير شباب كثر وجدوا حلا لبطالتهم المقنعة في بيع الأقراص المدمجة المقرصنة" ،يتساءل باستغراب عمر،الشاب المجاز العاطل في شعبة التاريخ والجغرافيا من جامعة ابن امسيك بالبيضاء وهو يشرئب بعنقه من وراء طاولة خشبية صغيرة بحثا عن زبون مفترض.
يؤكد هذا الشاب أن "الجوطية"هي فضاء رحب للرزق يتعايش فيه التجار والوسطاء وتقنيو الإعلاميات والمهندسون والباعة بالتقسيط وأن آلاف الأسر في عاصمة المغرب الاقتصادية تعيش من القرصنة.

وأعرب عن اعتقاده بأن أن التجارة في الأفلام المقرصنة تخفف من حدة البطالة والانحراف أيضا ،وأن السوق يوفر لأبناء المغاربة أقراصا ترفيهية و تثقيفية تجعلهم يهتمون بعالم التكنولوجيا و المعلوميات،"فلولا الأسعار المتدنية التي تباع بها الأقراص المدمجة المقرصنة لما تمكن ذووا القدرة الشرائية المحدودة من مشاهدة النسخ الأصلية للعديد من الألعاب الإلكترونية والأفلام الأجنبية التي لا يوجهها المنتجون إلى أسواق العالم الثالث وضمنها السوق المغربي."
وبحسب أرقام غير رسمية، فإن هذا السوق يوفر فرص العمل لأزيد من 5 آلاف عامل، معظمهم يديرون ما يناهز ألفي محل تجاري نصفها مخصص لبيع الأجهزة الإلكترونية القادمة من مختلف مناطق العالم خصوصا اليابان والصين والإمارات العربية المتحدة.".

قراصنة"أبرياء"

يستخف باعة الأقراص المدمجة بالكلام الموجه إليهم باعتبارهم قراصنة تخرقون حقوق المؤلفين المغاربة والأجانب.
فسعيد الغازي،الذي يعمل وسيطا يجلب الأقراص المدمجة من مصنع بحي مولاي رشيد ويوزع البضاعة على الباعة بالتقسيط بالسوق، يرى أن حملات المطاردة التي تشنها السلطات المغربية على زملائه نوعا تخفي ورائها" الكثير من المزايدة ليس إلا."
يتحدث سعيد بلهجة الواثق مرسلا نظرات تحد ويقول" إن اعتبار قراصنة درب غلف خطر على الاقتصاد المغربي هو مجرد ذر للرماد في العيون،فهناك أخطار كبرى تتربص بالوطن ،هم لا يعيرونها الاهتمام اللازم،هناك لصوص المال العام والانتهازيون وسماسرة الانتخابات والآخرون ممن يبيعون خيرات البلاد في البر و البحر . فهل سيتمكن يوما وزير المالية والخوصصة من ملاحقتهم واستخلاص الضرائب منهم بالنظر إلى حجم الأرباح الهائلة التي يجنونها."
ويؤكد سمير اليماني، الذي يعمل بائعا لأشرطة"السي دي " المقرصنة أنه ومنذ ستة أشهر خلت،واقتداء بأبناء الحي،ركوب الموجة ذاتها فقرر نصب طاولة لبيع"السيديات" وقال إن هامش ربحه اليومي لا يتعدي درهمين في القرص الواحد مشيرا على أنه يبيع مابين50 و60 قرصا كمعدل يومي.أضاف"ليس لدي جهاز"كرافور"( نقاش) ولا حاسوب في المنزل،لذلك أتزود بالسلع من تجار الجملة كغيري من التجار الصغار."
لا يستسيغ هذا الشاب أن ينعت بتاجر المواد المقرصنة ويقول" كلمة القرصنة تحيل على الإجرام و النهب.واستعمالي لموادها لا يعني بالضرورة تأييدي لها،والقرصان بنظري شخص يحل مسائل و معادلات و يصنع أشياء دون أن يسعى للربح المادي ولا ينتظره،بدليل أن الأفلام المعروضة أمامك بخسة الأسعار و يتراوح ثمنها بين 5 الى10 دراهم."

قراصنة بصفة"المنفعة العامة"

يجتذب سوق درب غلف أعدادا من الشباب المغاربة المتخصصين في تشفير رموز الهواتف النقالة و باقات الفضائيات، أغلبهم عاطلون عن العمل وجدوا في محلات السوق محتضنا لأنشطة تدر عليهم أجورا تفوق ما قد يتلقونه في شركات خاصة ممن سبق للبعض منهم أن عمل فيها من قبل.
وإذا كان نشاطهم يدخل في مجال قراصنة الشبكة المعلوماتية، فإن زبنائهم يضعونهم في مصاف العباقرة.
داخل محل ضيق الأبعاد بالسوق كان علي يجلس فوق كرسي جلدي مهترئ ، وضع أمامه هواتف جوالة وجهاز حاسوب.كان منهمكا في البحث عن أرقام تمكنه من تشفير أحد الهواتف ليصبح قابلا للاستعمال كيفما كانت نوعية بطاقة شركة الاتصالات التي توضع فيه.
غير بعيد عنه يجلس المهدي وعينه على جهاز حاسوب غير عابئ بضجيج المارة في هذا السوق المزدحم.
كان سعيد يبحث في الحاسوب عن شفرات الباقات التلفزية ،أمامه جلس زبونان ينتظران تشفير جهازي التقاط للقنوات الفضائية مقابل مبلغ لا يتعدي العشرين درهما.
يقول المهدي،وهو تقني عامل بالسوق وخريج معهد للتكوين المهني" الأرقام السرية للباقات التلفزيونية الفرنسية"تي بي إس" يتم تغييرها بمعدل مرة كل أسبوع، لذلك فزبناء الخدمة يتوافدون باستمرار على السوق لتحيين أو إعادة برمجة المستقبل الرقمي."
يقوم بهذه المهمة في السوق شباب حاصلون على شهادات مختلفة في الإعلاميات كما هو الحال بالنسبة لعبد الرفيع البوخاري الذي يحمل اسم "تيتيف" كلقب حركي يناديه به زملاؤه أو المسمى" ب"الهندي" أو"الصحراوي" و"كفيتة"(قطعة لحم مفروم) وغيرهم ممن يسمون بعباقرة درب غلف.
مادخل اللحم المفروم في الأسماء الحركية.
سألت مرشدنا ونحن نتجول بين أزقة السوق الضيقة.
غمز بعينه وقال "إن "السيمو" شاب نحيل الجسم يفد من حي درب السلطان الشعبي و يرتاد السوق ليؤمن اللحم لأسرته كما يردد متباهيا دائما أمامنا، أما الخبز اليومي فهو مضمون بالنسبة إليه لأنه يعمل في حيه في إصلاح أجهزة الفارز لمعارفه."
إلى جانب هؤلاء القراصنة يوجد آخرون تمرسوا على القيام بهذا النشاط،غالبيتهم يعرفون بأسمائهم الشخصية،لكنهم يفضلون أن يبقوا"مجهولي الهوية"خوفا من وقوعهم في قبضة الشرطة القضائية التي تقوم بين الفينة والأخرى بجولة في السوق بحثا عن القراصنة.
بين أزقة سوق درب غلف المتعرجة تتوزع محلات لبيع الهواتف الجوالة وأجهزة التقاط القنوات الفضائية .داخلها يقبع شبان من مختلف الأعمار، ينهمكون على تلبية طلبات زبنائهم من إصلاح الهواتف إلى تشفير أجهزة التقاط الفضائيات، لكن بعضا منهم بارع أيضا في ممارسة أنشطة "الهاكرز".
يقول أحد الزبناء "إنهم عباقرة ولولاهم لما استفدنا من خدمات لاقبل لنا بها"،فمن داخل هذه المحلات الصغيرة اكتسب "عباقرة" هذا السوق سمعتهم في الدار البيضاء وذاع صيتهم في المدن المغربية الأخرى .
رفض الكثير الشباب المتواجدين في المحلات الكشف عن هوياتهم الحقيقية، وهناك أسماء عديدة تتداول فيما بينهم خصوصا المهرة في القيام بمختلف الأنشطة الإلكترونية، لكنهم يجيبون السائل بأن فلانا في سفر متجدد بين مدينة وأخرى أو بين دولة وأخرى.باب الكذب مفتوح على مصراعيه في هذا السوق وباعة الأقراص المقرصنة متضامنون فيما بينهم بشكل ملحوظ.
أحد العاملين في السوق قال  إن الكثير من القراصنة يتوفرون على مستوى تعليمي متوسط ومعرفتهم بالتقنيات المعلوماتية المتطورة جد محدودة لكن مع ذلك يعطون الانطباع للآخرين بأنهم يقومون ب"أشياء خارقة" والحقيقة أنهم يتسولون رموز فك الشفرات في صالونات الدردشة الالكترونية من القراصنة المتواجدين في دول أخرى.
ويؤكد آخر أن السوق استقطب مهندسين منهم من أكمل دراسته وعانق البطالة وآخرون عملوا في شركات خاصة واكتشفوا أن الأجور التي يتقاضونها من الممكن ربحها في يومين أو أكثر هنا لذلك طلقوا العمل الرسمي وتحولوا للاشتغال في الاقتصاد غير المهيكل.

حذار من كاميرات الأعراس

أكد تجار أن بإمكان أي شخص من المدعوين لحفل زفاف مغربي تصوير فيلم عرس شعبي ونسخه على قرص مضغوط في مئات النسخ وإعادة بيعه بعد إدخال توضيبات على الصور والصوت.
في درب غلف تباع الأفلام والموسوعات الثقافية والأغاني وأفلام الخلاعة مقرصنة من الفضائيات العالمية.
قبل سنوات اكتشف المغاربة جهاز"الفي سي دي" (بحجم جهاز استقبال القنوات الرقمية)،وصار هذا الجهاز يحتل ركنا أساسيا داخل بيوت المغاربة وهو يقرأ أقراص "السي دي"المهيأة لتسجيل وإعادة إنتاج الصوت والصورة التي اخترعت وطورت سنة 1979 من قبل شركتي "سوني" و"فيليبس" وصنعت منها لاحقا نماذج قرص مدمج ك"دي في دي" و"سي دي رومّ و"سي دي"."
"هذه الأقراص التي لا يتعدى قطرها 12 سنتم وسمكها مليميترا واحدا والمصنوعة من البلاستيك والمغطاة بطبقة معدنية من إحدى وجهيها أحدثت" تغييرا جذريا؛ في حياة المغاربة"،يقول مهندس إعلاميات ل"المساء"مضيفا أن هذا النوع من الأقراص يستطيع تخزين حتى 80 دقيقة من الرنين بشكل رقمي بمساعدة ليزر قوي بالمقارنة مع الأسطوانات القديمة المستعملة في السابق.
يشرح المهندس ذاته أن الممثل العالمي "ميل غيبسون" الذي صرف ميزانية ضخمة تقدر بملايين الدولارات لإنتاج فيلم "آلام المسيح" على علم أن فيلمه سيباع وسينزل لسوق درب غلف بالبيضاء بسعر لا يتجاوز العشرة دراهم قبل توزيعه على القاعات السينمائية لكان أعاد ترتيب حساباته.
ويؤكد عامل في دكان لبيع أدوات التجهيز المنزلي بالسوق " قائلا"أنا لا أتذمر من حالي لأنني انقطعت عن الدراسة قبل الباكالوريا،أنا راض بعملي وهو راض بي،لكن أتحسر كمدا على أخي المهندس الذي يضطر لقرصنة البطاقات المشفرة في سوق درب غلف بثمن زهيد،أعتقد أن مستقبله كان يمكن أن يكون في مكان آخر ،تمنيت لو اشتغل إطارا في شركة معلوميات متعددة الجنسيات اعترافا بكفائته التي يشهد له بها الجميع في السوق، لكن أنا مثل الكثيرين، صرت"ولد الجوطية" و من كثرة التردد على السوق صرت أعرف الكثير عنه.

تحقيقات