السبت 29 أبريل 2017

عيد الأضحى بكازا..«السردي» سيد الأضاحي في أجواء يفسدها الشناقة

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

الصلح خير!..مشاهدات مغربي من بوغوتا

أنـور الزين الثلاثاء 23 غشت 2016

الصلح خير!.
لكل قصة بداية، و ليس لحب حقيقي نهاية...
تعمدت أن لا أقرأ شيء عن كولومبيا، حتى أترك لسذاجتي حلاوة الاستكشاف.

العالم أصبح قرية، و المعلومة المتوفرة على الانترنت غالبا ما تكون مسخرة لخدمة صاحبها، مصدرها الموثوق، أو لخدمة الخصوم...
في العاصمة بوكوطا، تجاور المباني الحديثة، ذات العلو المتوسط، أخرى تحمل أثر السنين و لهجة العمران اللاتيني: الألوان الحية، أغلبها قريب للأحمر، علو منخفض، واجهات تخدع ببساطتها قبل أن تفصح عن مهارة أيادي كولومبيا في ترويض الخشب و الحديد والزجاج و الفخار. ليس من الصعب أن تفهم معمار بوكوطا: شوارع كبيرة مرقمة يسمونها«كاريرا»، تقاطعها شوارع أقل اتساعا، مرقمة أيضا، يسمونها «كال».

تبدأ العناوين برقم الكاريرا، يتلوها رقم الكال تم رقم البناية.
في الطريق من المطار إلى الفندق، يعيش السائق أغرب لحظات حياته و هو يحاول فهم اللغة اللتي أنطق بها، بينما يتكلم هو في إسبانية سليمة. و لأننا نحن معشر السياسيين نحاول أن نفهم نفس الأمور، لنأتي في وقت الحملات لنعيد نفس الوعود، فهمت سريعا أن الدخل محدود في بوكوطا، يلزم على الزوجين معا أن يزاولا عملا قارا للتغلب على ظروف الحياة.

يقول السائق أن الحياة مكلفة. التمدرس بالمجان، لكنه رديء. التعليم الخاص جيد، لكنه باهض. نفس الأمر بالنسبة للتطبيب، المستشفى العمومي عنوان لسوء الخدمات و التطبيب الخاص يكلف الكثير.

ساكنة بوكوطا تتجاوز العشر ملايين و لا أثر للمترو. تتشكل المدينة من تجمعات سكنية متفرقة حول مركز تاريخي. تتغير فجأة لكنة السائق من الشكوى إلى الافتخار حين يوجه أصبعه للسماء: انظرا، هذا منتزه بوكوطا، مائة هكتار من النباتات و الأشجار، هنا يلعب الأطفال و الكبار، هنا تحلق مئات هوائيات الورق، يلهو بها الكبير قبل الصغير وهو يجر خيوطها...

يتركني السائق مع صديق السفر محمد السلاسي (عن حزب التجمع الوطني للأحرار) أمام الفندق. يلتحق باقي المشاركين في التكوين المنظم من المعهد الديمقراطي الوطني تباعا، نفسهم من كانوا في المكسيك قبل أشهر، و تلتحق بِنَا لاحقا فردوس هلال (عن حزب الأصالة و المعاصرة). فردوس تتقن خمس لغات بما فيها الاسبانية، و هي من تنقذ شعوب المنطقة من اللغة العجيبة التي أحدثهم بها، و توحي أنها إسبانية...

يبدأ التكوين في اليوم الموالي، الاثنين، بتقديم لتجربة الصلح الجارية الان في كولومبيا. بعد شهرين، سيصوت الكولومبيون على اتفاقية هافانا، و اللتي بموجبها تضع جميع المجموعات المسلحة الغير نظامية السلاح، و يتجه البلد إلى طي صفحة الماضي الأليم و التوجه نحو الصفح. هنا، استطاعت الطبقة السياسية سن قانون الضحايا: المهجرون من أراضيهم، مغتصبو الحقوق التاريخية، ضحايا النضال ضد الفارك، ذلك الجيش العتيد المناهض للنظام... لم تستطع الدولة فرض سلطتها على مجموع التراب الوطني، و كبار الملاكين يمولون عصابات عديدة لحماية المناجم و حقول الكوكا... هنا، يخبرنا صديق مغربي، غرام من الغبرة البيضاء يباع بخمسة عشر درهم. هي معلومة للاستئناس فقط! 
نلتقي ممثلين عن ستة أحزاب كولومبية، أغلبية و معارضة، يسارية و ليبرالية و بيئية و وسطية و نوعية (غير مذهبية)...في قاعة الاجتماعات، شرفنا لقاء هؤلاء القادة، منهم أمين عام اتحاد اليسار و مناضلو الصف الأول في الأحزاب الأخرى.

استمعنا لتقديمهم، و كيف أضحى كل حزب يشرك بالضرورة المواطنين في صياغة و تنفيذ برامجه، و كيف يعبئ كل طرف ليس فقط أنصاره بل عموم المواطنين للتصويت في الاسفتاء القادم مع أو ضد اتفاق هافانا.

يقنعك الرافضون بحججهم: أية ضمانات لوضع السلاح، كيف يتم انتقاء الضحايا و ما مصير الجلادين المعروفين.

تم يقنعك الداعمون أيضا بنظرتهم: لم تفلح أمة في الصلح دون الصفح، الفارك قبلوا باعتبارهم ضحايا و أيضا مسؤولين و منهم من هو مستعد للمحاسبة، و على علته يبقى اتفاق هافانا أحسن مخرج للأزمة، لأن المفاوضات وحدها تستطيع إنجاز ما لم يقدر عليه استعمال السلاح. صحيح، نعلم متى تبدأ الحرب، و لا نعلم متى تنتهي...
مع الشباب العربي المشارك، من لبنان و مصر، نلاحظ كيف تجمع الطاولة فاعلين غير متفقين تماما.

هنا، تبدأ مثل هذه الاجتماعات بأناس غير متفقين، لكنهم متفقون على أن يتفقوا. عندنا، تبدأ مثل هذه الاجتماعات بأناس متفقين، ثم يتفقون على أن لا يتفقوا.

الفرق بسيط. عموما، رغم تذمرنا للحظات من أمور في بلدنا، ليس للأمن و السلام ثمن.
تحدث المشاركون عن الوضع في لبنان، ثم مصر، و قدم الوفد المغربي عرضا عن الوضع في المغرب: تجربة الإنصاف و المصالحة، الاستثناء المغربي أثناء ما يسمى بالربيع العربي، كيف ساهم الدور المحوري للملكية الدستورية في اسقرار البلد على مر التاريخ و أثناء الثورات، اختيار الجهوية و مشاريع التنمية في مجمل تراب المملكة من الجنوب إلى الشمال.

تحدثنا أيضا بصراحة عن صورة الأحزاب و السياسة في المغرب و كيف نبحث، خاصة الشباب أو من يحسب على الشباب، على جعل المواطنين أكثر مشاركة، في النقاش العمومي و في الانتخابات.

تحدثنا عن نهاية الانتقال الديمقراطي و ضرورة الانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية، اللتي يمارسها الديمقراطيون، أي مواطنون يعنيهم الشأن العام و مراقبة اشتغال المؤسسات و الهيئات المنتخبة، في رقابة جماعية تقي من محاولات الفساد بكل أشكاله أو الهيمنة بإسم نتائج صناديق اقتراع يشارك فيها البعض و تسري نتائجها على الكل... و تقدمت باسم الوفد المغربي بتقديم كتاب قيم أنجزته صحيفة ليزيكو بالانجليزية يسرد أهم إنجازات المغرب في عهد جلالة الملك محمد السادس، و لاحظنا أن معظمهم لا يعلم الشيء الكثير عن المغرب... هنا في بوكوطا، المترجم من المغرب، اسمه إمام، و هو من يؤم اجتماعاتنا.

 

رحلة الصيف و الشتاء 
أول ما يصدمك الان في بوكوطا هو الطقس: البرد قارس، في المدارس، و في كل مكان. من أربع درجات ليلا إلى ستة عشر في ذروة النهار. من جاء منكم لكولومبيا للرقص ليلا في الشوارع، فالرقص العمومي في إجازة، و من جاء ليزور كولومبيا، فهي قائمة لم تمت.
ليس في بوكوطا فصول الطقس كما في المغرب.

في اليوم الواحد، يمكن أن تعيش الفصول جميعها. الفصول الاخرى، فصول المدارس، مفتوحة طوال السنة.

لا يعترف برنامج العطل بالصيف، بل بضعة أسابيع متفرقة في السنة يخلد فيها التلاميذ للراحة. في المغرب، يذهب أطفال الجبال للتمدرس في الشتاء، تحت و فوق الثلوج، و يجبرهم الجدول الرسمي على الراحة صيفا... لو فعلت الجهوية بشكل سليم، سيكون ربما تفكير في تحديد العطل في المناطق حسب أحسن ظروف التنقل و التحصيل العلمي...
القهوة هنا رهيبة، فتاكة، و لأول مرة أعيش مفعولها الخرافي اللذي يقول أنها تجعلك لا تنام.

متأكد أن نزار قباني و هو يتحدث عن القهوة، كان يفكر في قهوة كولومبيا: مخدرة، ساحرة، تحضرها النادلة بعناية، تكاد تغني قطراتها موسيقى الحياة. لن يفهم معنى القهوة إلا عشاق يبحثون عن حبهم، مثل سناء العاجي، اللتي تطل علينا بتدوينات منتظمة حول الفنجان و حرارته، و شوق الحبيب و مرارته. سناء، حبيبك أكيد هنا، و حبيبك لست أنا، حبيبك ينتظرك في أحد المقاهي، و شفتاه تتردد على أجمل فنجان.

القهوة هنا مقطرة، لكن ليس أكثر من ابن كيران، كبير المقطرين، و اللذي استهزأ يوما وقال "ماذا يريدون، أن يصبح المغرب كولومبيا؟".

قالها و هو يهاجم فكرة تقنين صناعة القنب الهندي عندنا. قبل المجيء إلى هنا، لم أكن أعرف الكثير عن كولومبيا: انغريد بيطانكور، رهينة الفارك الفرنكو-كولومبية، بابلو اسكوبار، المهرب البطل، بعض لاعبي كرة القدم، خميس و فالكاو، و قصة اغتيال لاعب كرة القدم اندريس اسكوبار لأنه سجل بالخطأ هدفا ضد مرماه... حدث هذا منذ أكثر من عشرين سنة. قتل اللاعب مرة، و انتهى الأمر. في زمن الخبر الحر و التعليق المقدس، يقتل اللاعب مرات و مرات على صفحات و مواقع التواصل الاجتماعي، نفسها اللتي تحييه من جديد، عند أول أداء مستحسن.
يقول باستور، "السم في الجرعة".

بعض رجال الأمن في الشوارع يطمئن. عدد أكبر يغري بالتساؤل. عدد هائل يدفع إلى الاستغراب أو القلق.

لا يكاد يخلو شارع في بوكوطا من تواجد العسكر و الشرطة. هنا، تخضع المدينة لتصنيف من ستة درجات، حسب درجة رقي الأحياء.

يسمونها "استرادا".

شاء القدر أن أقيم في أرقى الأحياء، استرادا ستة. هي أكثرها حماية. يقيم فيها العديد من الساسة و لا يتنقل أغلبهم إلا بحماية شخصية.

بالمقابل، يدفع قاطنو هذه الأحياء تسعيرة الماء و الكهرباء و الضرائب على حسب التصنيف.

الأغنى يدفع أكثر، ليمكن الأقل غنا من الاستفادة من تسعيرة اقتصادية للخدمات العمومية. هذا هو النموذج الحقيقي لرفع الدعم العمومي عن المواد الأولية.

حتى أثمنة المواد الغذائية في المتاجر تختلف من استرادا لأخرى و يخول نظام مراقبة التحقق من أهلية المستفيدين. لا تأهبوا بما ستقدمه لنا حكومتنا كحصيلة عن إنقاذ صندوق المقاصة و رفع الدعم، فبالمقارنة مع ما يحصل هنا، ليست حصيلة بل حصلة كبرى (انتظروا رفع تسعيرة الماء و الكهرباء بعد أشهر في الشطر الثاني لما يسمونه إصلاحا!)
وصلت مفاوضات السلام في مشروع اتفاق هافانا إلى الصيغة النهائية، و سيعلن رئيس البلاد اليوم عن هذا الاتفاق.

تعيش القوى الحية لكولومبيا على أمل إنهاء الصراع المسلح. لا يوجد أشرار من جهة و أبرار من جهة أخرى، الكل ضحية و الكل مجرم. وصل إحصاء الضحايا إلى ثمانية ملايين، منهم سبعة فقدوا ذويهم و أراضيهم و رحلوا من مناطقهم.

في أسرة واحدة، تجد من كل الأطراف ممثل: من في الجيش النظامي، من في الفارك، من في عصابات خاصة، من في السياسة، من في تجمعات السكان الأصليين، سلف الأفارقة، من من ذوي الاحتياجات الخاصة أو من الأقليات الدينية و المذهبية و الجنسية... مع ذلك، عرف أحد أحياء بوكوطا ثلات انفجارات بالأمس، لأسباب مجهولة. صنع السلم أصعب بكثير من خلق الفوضى و الحرب...
هنا، في بوكوطا، يتكلف شباب بإنجاز فسحة الكلاب، و تراهم يجرون عددا كبيرا في منتزهات الأحياء الراقية. تذكرت ماريز مدينتي، رحمة الله عليها، و كلابها...

هو عمل ضمن أعمال أخرى يمارسها الشباب لتوفير دخل قار. يجتهدون، يخلقون، يبدعون، دون مركب نقص. ليس من رأى كمن سمع، وليس من سمع كمن نطق، و ليس من نطق كمن صمت... في الطريق إلى البرلمان، تُعيدك أحياء المركز التاريخي إلى حقيقية أخرى في بوكوطا، الفقر و الملل، لكنك ترى في عيون الناس طمأنينة و فخر من نوع خاص.

هنا، الكنائس في كل مكان.

وحدها بيوت الله تصنع من الفقراء صابرين أبديين، يتحملون قرف الحياة الفانية في انتظار جنة الخالدين فيها.

ملائكة للبيع
قوة ما تقود العالم: الأبجديات كلها تبدأ بحرف الألف و اتفق بنو البشر على ان قيمة الألماس عالية رغم ان الماء هو أساس الحياة. بعض أحياء بوكوطا يمكن أن تكون في أي مكان في العالم: نفس العلامات التجارية، نفس المطاعم، نفس الممارسات... العولمة شيء فظيع، تجنس البشر بنفس الشكل، و توحد الفكر و العقول. وحدها القهوة تذكرك أنك في كولومبيا...
لمباني السلطة رهبة خاصة. تكاد تنبعث منها رائحة موحدة: أحجار روما أو قصر الايليزي هي نفسها هنا، في مبنى الرئاسة و مبنى البرلمان. المنحوتات تذكر بمباني أوروبا و الأحجام الكبيرة تؤكد الأثر الأمريكي هنا... كولومبيا تحتضن واحدة من أكبر قواعد الجيش الأمريكي و تعد ثاني بلد في العالم بعد سوريا الجريحة من حيث نزوح الساكنة عن أراضيها. واحد في المئة من الساكنة تمتلك تسعين في المئة من الأراضي.
في بهو البرلمان، تترك رهبة المكان مساحة لحرارة سوق تقليدي كولومبي: فاكهة مما تشتهون و رفوف تجري من فوقها زجاجات نبيذ مصنوع بالأيادي البدوية، خنزير محمر و محشو يبعث رائحة رهيبة، ينجذب إليها الموظفون و المنتخبون دون تمييز. في رواق صغير، تعرض صانعة حليا من نوع خاص: مجسمات صغيرة لملائكة الثقافة المسيحية. كل بإسمه و لكل واحد دوره الخاص. حسب الأسرة، تضيف إليك البائعة مجسمات أطفال و راشدين، يمثلونك و ذويك، و تربط بينهم سلسلة من فضة. بركات الملائكة ترافقك...
هنا، نتعرف على وحدة من نوع خاص، هدفها الرفع من أداء البرلمان و إشراك المواطنين في العمل التشريعي. تحت رئاسة السيدة ديانا، تعمل الوحدة إلى جانب مجموع البرلمانيين بغرفتيه. يحدث أن ينتخب لاعب كرة القدم أو فنانة كوميدية بالبرلمان. تعمل الوحدة على استقطاب خبراء متطوعين و مواطنين ذو كفاءات لمصاحبة المنتخب في عمله التشريعي، كدراسة القوانين و صياغة التعديلات. للسيدة ديانا نفوذ كبير بحكم عملها، فهي تفتح صالات البرلمان لاستقبال المواطنين و الإنصات إليهم، و تحول بهو البناية إلى سوق متى شاءت. اقترحت عليها فكرة تنظيم سوق مغربي داخل البرلمان، فقبلت الفكرة على الفور، و طلبت أن نأتي بأسواق فاس اللتي تعرفها. نعم، السيدة ديانا، ذات النفوذ داخل برلمان كولومبيا، زارت المغرب كسائحة مرتين... فكرة سوق مغربي داخل البرلمان الكولومبي جيدة، لكنكم تحبون الكفار!
الكونغريس بأبواب مفتوحة يمكن من إشراك الخبراء في العمل التشريعي، و يمكن أيضا من استقبال ثلاث مئة ألف طفل في السنة و إنشاء برلمان للشباب و منح مدد تمارين للطلبة و توفير المعلومة و الكتب و الدلائل بالمجان. و يمكن أيضا عما قريب أكل كسكس مغربي هنا! إطعام 163 برلماني و 102 سيناتور لمدة ستين يوما سيكون له أجر عظيم... فكرة حقا جيدة، لكنكم تحبون الكفار!
في ردهات مؤسسات كولومبيا، أشباح يعادون قضية المغرب الأولى... يشتغلون، يضللون، يتفننون في دور الضحية... بعض النظرات و الكلمات تفصح عن أثر بروباگندا منظمة. آلمني أن يصل إلى أذني، للمرة الثانية بعد المكسيك، صدى سند و خبرة في الترافع ذات أصول فلسطينية... أنا اللذي بكيت مقتل محمد الدرة و خرجت في مسيرات و لعبت في مسرحيات من أجل نصرة القضية... 
ملائكة للبيع، ملائكة من كل الأشكال و الألوان. الأمور ليست دائما كما تظهر أول مرة. ربما لو لم تختطف، كانت المرشحة حينها للرئاسة انغريد بطانكور ستقتل، كما قتل ثلاثة مرشحين من قبلها، لم يكن الصعلوك المحبوب بابلو اسكوبار بالسوء اللذي قد نظنه، فقد اقترح تسديد ديون كولومبيا من ماله الخاص و وبما قد فضل اللاعب اسكوبار الموت على أن يعيش بذكرى هدف قاتل ضد مرماه. رغم توحد العالم، يبقى لكل شعب طابعه الخاص. ميدلين مثلا ليست فقط مدينة المجرمين و القتلة، بل هي أيضا العاصمة الدولية للشعر و الشعراء. يحدث أن تختطف العصابات شعراء ليس لشيء إلا لتنظيم أمسيات، ثم إكرامهم و إعادتهم إلى ذويهم معززين مكرمين.
هنا، في البرلمان، تتركنا السيدة ديانا في جولة بالبناية. قاعة الجلسات الرئيسية متحف بكل المقاييس. شعار البرلمان: حرية و نظام. هنا، في حائط كبير، كتب: حصلنا على الاستقلال بالسلاح، و سنحصل على الحرية بالقانون. و هو يمضي اتفاق السلام، يوم البارحة، قال ممثل الفارك أن معركة السلاح قد انتهت، و بدأت معركة الأفكار. بالأمس، رقصت كولومبيا في الشوارع، و هي تسمع خطاب رئيسها يعلن اتفاق السلام، في أفق الاستفتاء، إلى الصباح، برغم الريح، و برغم الجو الماطر و الإعصار...

خطبة الوداع
يحدث أن نجد أنفسنا أثناء طلب الوجبات في المطعم في وضع غريب: دانييل عربي لبناني مسيحي، و مارسيلا لاتينية كولومبية مسلمة، و ما بينهما إسبانية من أصل لبناني و أمريكية من أصل مصري... يجد النادل نفسه في حيرة من أمره و هو يشرح لهذا و ذاك نوع الطبق، طريقة التحضير و تصنيف المشروب، في نفي تام لما كان يعتقده "ملامح الديانات". ليس للدين ملامح، و الحمد لله على نعمة المغرب: كنّا نقول باسم الله و نأتي على ما تيسر من طعام و شراب...
في بوكوطا يعيش نحو ألف مسلم. تعتبرهم السياسات العمومية من الأقليات و تسن خططا لحماية حقوقهم. هنا يوجد مسجدين، الأول تطوعي، ذو قرابة قطرية و الثاني تركي. الحمد لله على نعمة الإسلام...
بعد أسابيع، سيحل بكولومبيا المنتخب المغربي لكرة القدم بالقاعة لتمثيل المغرب في كأس العالم. يسألني الفندقي عن نتيجة المغرب في الألعاب الأولمبية فأحاول أن أشرح له أن بلدي مشغول بقصة مؤخرة بين شيخ و مرشدة، تضامنت معها أكثر الممثلات جرأة، و اهتز لقصتهما فضاء الفيسبوك، كأن الناس يعتقدون حقا أن المتأسلمين لا حياة عادية لهم و أنهم منزهون عن ما يسمونه الرذيلة. لم يفهم إلا قليلا من كلامي، أي أن موضوع نتائج الألعاب الأولمبية أصبح طابو...
في الحقيقة يحدث، رغم الأنفة و كل الوطنية، أن أخجل في بضع اللحظات. هل أصبحنا شعبا ينقسم لتنورة؟ لمشاهد تمثيل ساخن في فلم؟ لبوركيني؟ لأنا باريس أو أنا حلب؟ هل تصدقون أن بيننا من يغار على أوطان أكثر من وطنه؟ يغار عن تركيا أردوغان و مصر مرسي أكثر مما يغار عن وطنه؟ لماذا تصبح قصة مؤخرة موضوع الساعة الوحيد، مع ما يسري عليها من نظريات المؤامرة و الغزوات؟ لم يتبقى في قلبنا حتى غيرة حقيقية وقت الإخفاق، فمنا من يستهزئ فقط و منا من يصفي حساباته، ولا قفزة غيرة واحدة معقولة و هادئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه...
وضع دستور المملكة الأخير المغرب في منعرج خطير، فلا هو عزز مدنية الدولة و لا هو ألغاها. ماذا يعني فصل "لكل الحق في الحياة؟": نهاية عقوبة الإعدام أو منع الإجهاض؟ هل عبارة "للمرأة و الرجل نفس الحقوق... الاقتصادية" تشمل الإرث كحق اقتصادي أم لا. عبارة "الأطفال من مسؤولية الدولة كيفما كانت وضعيتهم الاسرية" تفتح الباب أمام أطفال خارج مؤسسة الزواج أم لا، أم أن الزواج هو الوحيد المخول لإنجاب أطفال شرعيين لأن الدستور يقول أن "المجتمع يقوم على أساس الأسرة"؟
الحقيقة هي أن دستور المملكة فتح الباب أمام الخيارين: تتميم مدنية الدولة و تكييف قوانينها مع هذا الاختيار أو الرجوع عن كل توجه مدني و استمرار إنزال قوانين وضعية مصدرها الشريعة. اختارت الحكومة الخيار الثاني، من خلال القانون الجنائي و مدونة الاعلام و... و زكت مؤسسات دستورية أخرى الاختيار الأول، كالمجلس الاقتصادي... و المجلس الوطني لحقوق الإنسان. و بين هذا وذاك، لا يعرف المواطن ما له و ما عليه. حتى قانون الوصول إلى المعلومة و قانون العرائض ولدا ميتان... هنا في كولمبيا، يمكن لأي مواطن أن يدفع بعدم دستورية قانون ما. لو فتح هذا الباب بالمغرب، يمكن للجيلالي بنحليمة لوحده أن يسقط نصف قوانين البلد. 
سأعاتب على بنكيران إلى يوم الدين أنه مباشرة بعد أهم إصلاح دستوري بالمغرب، اختار التفرقة بدل التوحيد، و حاول التطبيع بدل الإصلاح، فلا عدالة نزلت و لا تنمية حصلت. ماذا لو استغل لحظة التئام الأمة المغربية و فضل الوطن على الجماعة، المواطن على الزعامة؟ كان للمغرب أن يربح عشر سنوات من التنمية، و يلحق ربما بالدول النامية ككولومبيا... للأسف اختار التطرّف بالتدرج... كيف سيكون الأمر لو أعطى الدستور صلاحيات أكبر لرئيس للحكومة؟ يامن يناشد بملكية برلمانية مطلقة، ألم ترى ماذا فعلت الحكومة بِنَا؟ أعطني برلمان مسؤول و أناشد معك بأعلى صوتي بالملكية البرلمانية...
سأعاتبه، فقط، ولا ولن أكرهه. لن أكره أحدا بعد اليوم. سأجيب بالصمت على الأذى و بالحب على الكره، فانهشوا من لحمي و اشربوا من دمي و دخنوا إن شئتم مما تبقى من شعري.
إن مثل هذه الانزلاقات، في منعرجات تاريخية، هي من تكرس فكرة أن الرفاهية تحت ديكتاتوية الأنوار أكثر سهولة من قلق ديمقراطية متبعثرة، وهي فكرة صحيحة.
و رغم كل شيء، كما قوة ما تقود العالم، "بركة" ما تحفظ المغرب.
وحده الخير يمكنه إنقاذ الوضع، الخير اللذي يسري فى كل واحد منا.
الخير اللي فيك، يابلادي.
اشتقت إليك يا وطني

تحقيقات