الاثنين 27 مارس 2017

عيد الأضحى بكازا..«السردي» سيد الأضاحي في أجواء يفسدها الشناقة

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

ما هو سر تعب وخمول ومرض سكان مدينة الدار البيضاء؟

بقلم: رمزي صوفيا(عن: الأسبـوع) الثلاثاء 8 نونبر 2016

بقلم: رمزي صوفيا(عن: الأسبـوع)

كلما التقيت صديقا أو جارا إلا واشتكى لي من ظاهرة واحدة قائلا: «عندما أستيقظ صباحا أجد نفسي منهكا وكأنني كنت أبذل مجهودا جبارا. إنني أفيق مُجهد القوى كئيب النفس مهدود الكتفين»، وهذه العبارة صارت حديث الخاص والعام بمدينة الدار البيضاء بشكل خاص.

لقد حدثني الصديقان العزيزان البروفسور ميلود بلحاج، جراح القلب وصاحب مستشفى كاليفورنيا لأمراض القلب والشرايين، والبروفسور علي المخلوف، أخصائي أمراض القلب والشرايين قائلين لي: «هذا شيء طبيعي جدا بالنسبة لمدينة تضم عدة ملايين من البشر الذين يعيشون وسط تلوث حطم كل الأرقام القياسية الدولية، فمن أهم العناصر التي تقضي على صحة الإنسان هناك كثرة البناء واستعمار الإسمنت المسلح لكل الوعاءات العقارية وانعدام النباتات الخضراء التي يمكنها أن تضخ الأوكسجين في أجسام السكان».

وتابع الطبيب كلامه متأسفا:«لقد صارت الدار البيضاء عاصمة للبناء وأوراش البناء بدون حدود للأسف الشديد، وسبب هذه الظاهرة هو انتشار فكرة البيت الثاني مما سيجهز في المستقبل القريب حتى على المناطق الفلاحية في المغرب، فأنت تلاحظ بأنه حتى المناطق التي كانت تستغل في الزراعة في الماضي القريب بضواحي مدينة الدار البيضاء وكانت عبارة عن فضاءات تتنفس منها المدينة الصعداء، حتى هذه المناطق هجمت عليها «مجموعات عقارية لا تشبع من الربح السريع».

وقيل ما قيل وكتب ما كتب ولكن الحال سيبقى على ما هو عليه من انتشار للبناء بفكرة «البيت الثاني» وانتشار للسكن على حساب الماء والخضرة اللتين تحدث عنهما ذات يوم العندليب الأسمر في وصفه للمغرب. فالخضرة ستتحول باستمرار إلى لون رمادي داكن لتقضي على النبات وصحة الإنسان”.

وواصل البروفسوران علي المخلوف وميلود بلحاج كلامهما عن هذا الموضوع الذي يهم صحة سكان الحواضر الكبرى قائلين:« لقد فقد الإنسان الحضري، الذي يقيم في مدينة كالدار البيضاء كل مقومات الصحة الجيدة، وكطبيبين نفحص يوميا عددا من المصابين بأمراض القلب والشرايين فإننا نلاحظ تدهورا صحيا متواصلا لدى سكان الدار البيضاء نتيجة التلوث وما يثيره في نفوسهم من مشاعر التوتر والغضب والحسرة، وهي مشاعر سلبية على قلوب وشرايين الأصحاء قبل المرضى، فكل البيضاويين يعانون اليوم من الافتقار لفضاءات الارتياح والاستجمام ويفتقدون مشاهد الاخضرار من حولهم، فمثلا في حي مثل حي الإنارة، وحي أولاد الطالب لا توجد حديقة واحدة رغم وجود آلاف العمارات ذات الطوابق الأربع، وفي حي المعاريف، لا نرى سوى العمارات والعمارات، ثم العمارات، وحتى عمارات الدار البيضاء لو كان لها الحق في زيارة عيادة طبيب لكانت قد اشتكت له من التلوث الذي يظهر جليا عليها، فكلما قام مالك عمارة بطلائها إلا وتحولت إلى واجهة داكنة اللون وضبابية الشكل بعد بضعة أسابيع فقط على طلائها بسبب التلوث وكثرة البنيان وفقدان الخضرة والنباتات».

لقد أجهز البنيان على كل شيء جميل في حواضر المغرب الكبرى، أجهز العقار على كل منافذ الصحة العمومية للكبار وللأطفال بالخصوص.

وأتذكر هنا ملاحظة استغراب واستياء باح لي بها طبيب عربي متزوج من مغربية ويعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حل بالمغرب مع زوجته التي غابت عن الدار البيضاء لمدة عشر سنوات، فقال لي الاثنان بأسف كبير: “إن الملاحظة الأولى التي صدمتنا في الدار البيضاء هي كثرة البنيان، فأينما وليت وجهتك إلا ووجدت تلك الآلة الضخمة معلقة في السماء لمواصلة ورش منعش عقاري في تشييد عمارة جديدة، وقالت لي الزوجة التي هي ابنة حي شعبي: «لقد تألمت كثيرا حيث وجدت حتى الحي الذي ترعرعت فيه والذي يضم بيوتا عائلية عتيقة ودافئة قد بدأ عشاق الربح السريع من الإسمنت المسلح يشترون تلك البيوت ويحولونها إلى عمارات سكنية وكأن الدار البيضاء ستستقبل أقواما يعدّون بالملايين الإضافية من كوكب آخر لأن النمو الديموغرافي له حدود ومعايير».

لقد قضى البناء الكثير على كل معايير الصحة والسلامة وجودة التنفس وعندما أمرّ بحي شعبي أتأسف على الأطفال الذين يلعبون في التراب والمراهقين الذين يمارسون لعبة كرة القدم وسط الطرقات العمومية بين السيارات والشاحنات التي تضطر لتخفيف سرعتها لتفسح المجال للعب كرة القدم من طرف شباب يفتقرون لكل فضاءات المتعة والترويح عن النفس بعد أن «استولى» العقار على كل الوعاءات العقارية العمومية وحولها إلى مليارات الدراهم في جيوب فئة معينة.

فكلما تجولت في الدار البيضاء إلا ووجدت الوعاءات العقارية في تناقص متواصل بما فيها الفيلات التي كانت تمنح للناس اخضرارا منعشا للروح وموجات من الأوكسجين من حدائقها نحو الأحياء المجاورة، حتى هذه الفيلات بدأت تصبح عمارات ومنشآت تجارية وخدماتية تحت فكرة الربح، ولا شيء سوى الربح.

ومؤخرا أجريت دراسة علمية في جهة الدار البيضاء الكبرى، أماطت اللثام عن الارتباط المباشر بين التلوث المرتفع وبين الإصابات المتزايدة بالأمراض النفسية وتلك المرتبطة بالقلب.
الدراسة التي أجريت لحساب مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، وتم تقديم نتائجها أمام الأميرة للا حسناء، كشفت أن التلوث في الدار البيضاء والمحمدية، يؤدي إلى ارتفاع كبير في حالات الإحالة المستعجلة على المستشفيات والخضوع للاستشارات الطبية واستهلاك الأدوية والإصابة بالربو والأزمات القلبية، علاوة على انعكاس التلوث البيئي بشكل مباشر على نسب حضور ومواظبة المواطنين على العمل والدراسة، من خلال الارتفاع الذي سجلته الدراسة في حالات التغيب كلما ارتفعت درجة التلوث البيئي في الهواء.
وأكدت نتائج الدراسة بأن ارتفاع معدلات التلوث الأكثر خطورة إلى مستوياتها القصوى، بالدار البيضاء يؤدي إلى ظهور أكثر من 700 استشارة طبية إضافية في مجال الأمراض التنفسية، موزعة بين مختلف الانبعاثات.

واليوم فإن المطلوب من كل الجهات المعنية أن تتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووضع حد لجشع البعض وإصرارهم على تحويل الدار البيضاء إلى عمارة كبيرة وخالية من أي متنفس طبيعي. المطلوب أن يتم الاهتمام بعدة معطيات هامة وحساسة لتأمين الصحة بعيدا عن التلوث الناجم أيضا عن اتساخ الواجهات وذلك بمطالبة أصحاب العمارات بطلائها باستمرار للقضاء على الغبار وبقايا عادمات السيارات والشاحنات ومختلف وسائل النقل الأخرى، فحتى الطلاء وتنظيف الواجهات سيساهم بنسبة كبيرة في تخفيف معدلات تلوث المدينة الضخمة، وهذا الجانب ليس مستحيلا مقارنة مع الأرباح التي يجنيها المنعشون العقاريون المالكون للعمارات والمكاتب.

وهناك جانب آخر يلعب دورا حيويا في تشويه معالم المدينة والتأثير بشكل سلبي على نفسيات سكانها وزوارها وسياحها ومستثمريها، ألا وهو ذلك التنوع الغريب واللا مقبول في ألوان الطلاء بواجهات البنايات البيضاوية، فهذه العمارة تم طلاؤها باللون الأحمر الخاص بمدينة مراكش، وتلك العمارة تك طلاؤها باللون الأزرق الخاص بمدينة أصيلة. وتلك لها لون ربيعي فاقع وأخرى لون رمادي كئيب، مع العلم أن اسم المدينة هو “الدار البيضاء”، لهذا يجب أن يكون طلاؤها دائما ناصع البياض.

ما هذا التشويه المؤثر على الناظرين وخاصة بعد أن ثبت علميا وطبيا بأن المنظر الذي يشاهده الشخص يؤثر على مردوديته العملية وعلى تصرفاته، لهذا نرجو من المسؤولين بمدينة الدار البيضاء أن يأخذوا بعين الاعتبار هذا الجانب الهام ويطالبوا ملاك العمارات سواء المكتراة أو المأهولة بالملكية الخاصة بطلاء عماراتهم بلون أبيض موحد يعيد للمدينة جماليتها ويمنحها منظرا موحدا يفتح النفوس ويزرع التفاؤل، وأن يطالبوا بواسطة دفاتر التحملات، كل منعش عقاري يرغب في تشييد مجمع عقاري بأن يتضمن مشروعه المتجاوز مثلا، لخمسمائة شقة، حديقة غناء لفائدة السكان.

وهناك مثال صارخ على هذا، حيث كان منعش عقاري رحل إلى دار البقاء مؤخرا قد وعد زبناءه عند قدومهم لشراء شقق مجمع سكني بوجود حديقة. وسرعان ما تحولت تلك الحديقة إلى عمارة إضافية بفضل بركات(…).

إن المغرب أيها السادة والسيدات يستعد اليوم لاستقبال قمة مخصصة للبيئة والمناخ وهي قمة “كوب 22” التي ستعطي الانطلاقة لتباحث كل ما يتعلق بالمناخ والتغيرات المناخية التي يشهدها العالم والتي يلعب التلوث دورا رئيسيا في ارتفاع نسبة خطورتها، لهذا نطالب الجميع بالعمل يدا في يد للقضاء على سلبيات الحياة الحضرية وتوحيد لون المدينة لجعلها خليقة بحمل لقب العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، والحد من جشع البعض وتقليص معدلات البناء في مدينة شبعت من الإسمنت المسلح، مثل الدار البيضاء، ومنح سكانها حق رؤية الخضرة وجعل أطفالها يعيشون في ظروف صحية ملائمة.

تحقيقات