الثلاثاء 17 يناير 2017

هذه أشهر لقاءات الديربي بين الغريمين الرجاء والوداد ــ ڤيديو

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

«طورطوني» و «لابييلا» ..أكثر من فنجان قهوة

بوينوس آيريس- هشام الأكحل/ و م ع الخميس 1 دجنبر 2016

«طورطوني» و«لا بييلا» أيقونتان من أشهر مقاهي العاصمة الأرجنتينية بيونوس أيريس.

شهرة لا يستمدانها من فناجين القهوة التي تقدمانها لزبنائنهما فحسب، بل من تفاصيل أخرى هي أعمق وأكبر تجعل روادهما يستمتعون بعبق التاريخ وسحر الأدب وجمال المكان، هما أقرب إلى متحف مازال إلى اليوم محافظا على رونقه وأصالته.

بداخل «طوطوني» و«لا بييلا» كثير من عمالقة الأدب الأمريكي اللاتيني، وفي مقدمتهم خورخي لويس بورخيس، أطلقوا العنان للخيال، فكتبت قصص وألفت روايات شغلت بال الجمهور لردح غير يسير من الزمن، والأكثر من ذلك تحولت طورطوني، في وقت من الأوقات، إلى مكان اتخذت بين جدرانه أهم القرارات السياسية التي تعني البلاد.

في سنة 1858 تم تشييد «طورطوني» على يد مهاجر فرنسي أراد أن يمنحها بعدا ثقافيا فاختار لها اسما ايطاليا استعاره من مقهى كان في باريس نقطة التقاء للعديد من المثقفين الاوروبيين، ومع توالي السنوات بدأت شهرة «طورطوني» الثقافية تأخذ أبعادا كبيرة من خلال تنظيم لقاءات أدبية بداخلها وأصبحت مقهى ثقافيا بامتياز.

بعد أن ذاعت شهرتها بدأت تستقبل شخصيات من عالم الفن والأدب، ومن بينهم الشاعر الاسباني فيديريكو غارسيا لوركا، الذي فر من الحرب الأهلية الاسبانية أوائل القرن الماضي، والكاتب المسرحي الايطالي لويجي بيرانديلو، وآخرين أمثال بابلو نيرودا، وإرنيستو ساباطو، وعدد كبير من أشهر الأدباء والكتاب الذين لا يمكنهم أن يقوموا بزيارة العاصمة الأرجنتينية دون أن يعرجوا ولو للحظات على مقهى «طورطوني»، التي مازالت تحتفظ بأسماء رسامين وفنانين وشخصيات عالمية ورؤساء دول مروا ذات يوم من هناك.

إن مقهى «طوطوني» حافل بالأسرار والحكايات، وربما ذلك ما يجعل «شيطان الكتابة» لا يغيب وقتما هم الكاتب بمداعبة الورقة البيضاء لنسج خيوط رواية أو قصة أو قصيدة.. إنه مصدر إلهام.. سحر المكان»، يقول نيستور بيتشيلي، أحد المشرفين على هذا المقهى الذي يتوسط شارع «دي مايو» ببوينوس أيريس.

قصة نجاح هذا المقهى الارجنتيني مازات متوهجة إلى اليوم وليست طوابير الوافدين الطويلة وهو ينتظرون وقوفا أمام باب المقهى لعل الوقت يداهم أحد الجالسين ويبرح مقعده، إلا دليلا على ان الثقافة تظل أقوى ما يمكن أن يصمد في وجه الزمن. فحتى وإن مضى قرن ونصف القرن، تبقى طورطوني مقصدا لا يسقطه زوار بوينوس أيريس من لائحة الأماكن التي تستحق الزيارة.

وغير بعيد عن «طورطوني» وتحديدا بحي «لاريكوليطا» ينتصب مقهى تاريخي آخر، «لابييلا»، وهو من أشهر المقاهي المصنفة ذات الرمزية الثقافية بالعاصمة. هو من الفضاءات التي استقبلت لسنوات العديد من الكتاب، من بينهم أدولفو بييوي كساريس، وخورخي لويس بورخيس وآخرين جاؤوا من أماكن بعيدة، يقول كارلوس غوتييريس، المشرف العام على «لابييلا».

شهرة هذا المقهى الذي يعود تاريخه لأزيد من مائة عام خلت، جعلت أدولفو بييوي كساريس الحاصل على جائزة سيرفانتيس للأدب يتحدث بإسهاب في كتاباته عن «لابييلا» التي ظلت تحتفظ له بطاولته التي تحمل رقم 20 والتي لا يمكن لأحد أن يجلس إليها سواء أجاء أدولفو إلى المقهى أو لم يأت، وهذا ما يعكس الأهمية التي يمنحها الفضاء للجانب الثقافي.

بمجرد أن يلج الزائر إلى«لابييلا» حتى يطالعه تمثالان جالسان لبوخيس وكساريس يحرص النادل أن يضع كل صباح فنجاني قهوة على مائدتهما، يقول غوتييريس الذي يرى أن «لابييلا» تمثل اللقاء بالأصدقاء والتمتع بأوقات جميلة مع أفراد العائلة، مضيفا أنه عندما كانت وسائل الاتصال صعبة في الماضي كان النادل يقوم بدور ساعي البريد ويتكلف بإيصال الرسائل، الشفهية أو المكتوبة، إلى أصحابها عندما يتعذر اللقاء.

يقول غوتييريس إن للمقهى زوارا يتوافدون عليه في حدود ألف شخص يوميا وفي نهاية الأسبوع يصير العدد أكبر، وأغلب مرتاديه من سياح يتوافدون من مختلف بلدان العالم كما أن العديد من الشخصيات العالمية والسياسية والرياضية والفنية تحرص على أن تجد لها مكانا بلابييلا.

في زاوية من زوايا المقهى، اتخذ الكاتب الاسباني أنطونيو تشافيز مكانا له وراح يسرد قصته مع مقاهي بوينوس أيريس.«لدي اهتمام خاص بالمقاهي الموسومة بروح ثقافية ومن يعشق احتساء القهوة فما عليه إلا زيارة لابييلا و طورطوني ولكن هناك ما هو أبعد من مجرد فعل الاحتساء.. إنه امتداد للهوية الثقافية التي تحملنا إلى زمن أبعد في سفر عبر المخيال الثقافي وهذا السفر هو ما يجعلنا بالذات أكثر انسانية ونجد فيه أنفسنا».

واستطرد قائلا «أنتم مثلا في المغرب لديكم طقوس وعادات وتقاليد لاعداد الشاي وهنا أيضا بمجرد أن تضع قدماك بلابييلا تحس وكأن شيئا ما يسيطر عليك ويغزو أفكارك ويجعلك تقتنع أنك في جنة لتتمتع وتنغمس في معنى المقهى الأدبي إنه أمر رائع جدا».

وعن زيارته لبوينوس أيريس يقول إنه كتب السيرة الذاتية لمن كان أحد أكبر البوهيميين بهذه المدينة، الكاتب المنفي الاسباني أرتورو كوادرادو موري، والان «تمكن من أن يعاين بوينس آيريس التي وصفها في كتابه دون أن تطأها قدماه في لعبة شبيهة باقتفاء الأثر من أجل اللقاء، إنه سحر الأدب من داخل لابييلا».

أن تصمد الطاولات والكراسي والصور المزينة لجدران “طورتوني” و”لابييلا” لأزيد من قرن من الزمن، قد يكون لأنها من النوع الجيد ولكن أيضا لأن من يسهر على تنظيفها يوميا لا يحرمها من لمسة حنان تبعث فيها الحياة من جديد، على حد قول نيستور بيتشيلي.

بوينوس آيريس- هشام الأكحل/ و م ع

تحقيقات