الجمعة 23 يونيو 2017

رمال «تيري بيري» الوحش الذي يتربص بمباني كازابلانكا

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

سوق الجملة للخضر بالبيضاء.. رحلة بين الفوضى والسماسرة

خالد العطاوي/عن:الصبـاح الأحد 25 دجنبر 2016

تحذير.. لا تفكر في ولوج سوق الجملة للخضر والفواكه بالبيضاء، دون لباس واقي من التلوث و«الفوضى».. ولضمان مزيد من الأمان تسلح بالنصائح التالية، و"اسأل لمجرب ولا تسأل مجلس المدينة أو الشركة المكلفة بتسييره.


النصائح الذهبية
أولى النصائح، قبل زيارة سوق الجملة للخضر والفواكه تتمثل في عدم استفزاز السماسرة والوسطاء، فهم أقوياء جدا، ونفوذهم يبدأ من البوابة، ولا ينتهي إلا مع باب الخروج، وقانونهم الخاص يسري على الجميع، حتى ولو كنت زائرا فضوليا أردت اكتشاف عالم السوق الفريد.
ثانيا: لا تثق في قانون السير داخل شوارع السوق، فكل شيء هناك مباح، والسائقون يركنون الشاحنات الكبيرة والدراجات النارية «تريبورتور» في كل الاتجاهات، ولو رغبوا في ركنها بالفضاء لفعلوا ذلك، فلا أحد يمنعهم... لهم قانونهم الخاص، بعيدا عن مدونة السير أو رجال الأمن.
ثالثا: صدق أنك في زيارة سوق شعبي، وليس كل ما يعرض هناك خضرا وفواكه فقط، إذ تجد الملابس القديمة، والأحذية، وعربات «قلي السمك»، ومحلات فوضوية يطلق عليها اسم مقاه، بل يمكن أن تختار أي مهنة، وتقرر ممارستها داخل السوق، ولن يمنعك أحد... إنه سوق الجملة يا سادة.
رابعا: تجاهل أنه سوق للبيع بالجملة، بل على العكس تماما يتحول إلى سوق للبيع بالتقسيط، وستجد ميزانا صغيرا يلبي حاجة المتبضعين "الصغار"، وبائعا يبيع حتى برتقالة واحدة... ففكر جيدا، في المرة المقبلة، قبل التوجه إلى الأسواق الشعبية الصغيرة أو المحلات التجارية لاقتناء "القزبر والمعندوس"، إذ ستجدهما في سوق الجملة بثمن بخس جدا.
خامسا: ضع كمامة على الأنف حتى لا تصاب بالتلوث، فالسوق عبارة عن مزبلة كبيرة جدا.. أزبال في كل مكان، ورائحة التبول على الجدران تمتزج برائحة الحشيش والبيض المقلي مألوفة، ولا تنس وضع نظارة سوداء حتى تتفادى رؤية الخضر والفواكه الفاسدة على الطرقات، ثم احذر من خطواتك، فربما، تدوس على فضلات الدواب والكلاب، واحترس إذا كنت مصابا بالحساسية، فهناك روائح لا يعلم مصدرها إلا الله.. إنه سوق لا ينصح به لذوي القلوب المرهفة أو أنصار البيئة، وبه وجب الإعلام.
سادسا: تريث وأنت تستمع إلى خطاب المسؤولين بأنه سوق نموذجي. فكر في انتعال حذاء جديد في يوم زيارتك، فربما تسقط أرضا مع الخطوة الأولى، فأرضية السوق متربة، والزفت تحول إلى طين، والأرصفة إلى مستنقعات تغري الإوز بالسباحة فيها طيلة السنة، حتى ولو عم الجفاف العالم.
سابعا: تأكد حين تلج السوق أن كل الأعين تترصد الغرباء، فاحذر اللصوص و"المقرقبين" إذا أردت النجاة والعودة سالما، وإياك من كثرة المعاينة أو التقاط صور فوتوغرافية، فقد تجد عدد الأيدي التي تضرب عنقك أكثر من عدد شعيرات رأسك.. هل رأيت يوما "فيسبوكيا" نشر "سيلفي" من داخل سوق الجملة للخضر والفواكه؟
ثامنا: ببساطة شديدة لا تفكر أصلا في ولوج سوق الجملة للخضر والفواكه بالبيضاء، ودع عنك معاينة بيع الخضر والفواكه بالجملة، فتلك أضغاث أحلام تجلب المتاعب، لكن تابع قراءة الاستطلاع التالي حتى تكتشف أن وراء هذه الفوضى "ديناصورات" تستفيد، ومعاناة للبائعين البسطاء، ووكلاء المربعات "التاريخيين"، ومناضلين حقيقيين يواجهون العبث.

الأبواب المفتوحة
الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، وأبواب سوق الجملة تعرف اكتظاظا كبيرا. ويسمح للجميع بالولوج، فتتسابق السيارات الخاصة والدراجات النارية بمختلف أنواعها مع الشاحنات المتوسطة الحجم، في حين تصطف الشاحنات الكبيرة أمام ميزان ضخم لاحتساب حمولتها وتحديد نوعية السلع... هكذا تجري الأمور ببساطة قبل دخول متاهة كبيرة يطلق عليها اسم سوق الجملة.
يمتد سوق الجملة على مساحة 28 هكتارا، ويقدر عدد الوافدين عليه، يوميا، ما بين 30 و45 ألف شخص، أما عدد الشاحنات فيتراوح بين 600 وألف شاحنة يوميا محملة بمختلف أنواع الخضر والفواكه.
قُسم السوق إلى مجموعات عديدة تحمل أرقاما وأسماء، وهي عبارة عن ممرات في جنباتها أرصفة عالية في مستوى الشاحنات، حتى تضطر لبيع منتوجاتها... فكرة جميلة من مهندس السوق، الذي ربما يتحسر الآن حين يرى أن سائقي الشاحنات لا يحترمون تصميمه، ولا أحد يجبرهم على ذلك.

في السوق يوجد فضاء مغطى، وهو عبارة عن "مربعات" اصطفت بداخلها صناديق بيع الخضر والفواكه، وبجانبها موقف للسيارات أو هكذا تشير إليه اللائحة، أما الآن فهو عبارة عن خيام بها الخضر والفواكه، ولتذهب السيارات إلى الجحيم.
تؤدي عدة أزقة إلى باقي "مجموعات" السوق، انطلاقا من ممرات متعددة وبجوارها مقاه "شعبية".. وهناك لا تتوقف الحركة إطلاقا، إذ تجد رجالا يحملون سلعا على أكتافهم أو عبر عربات صغيرة ينافسون الدراجات النارية، وبجوارهم شاحنات يتحدى سائقوها ضيق المكان من أجل عرقلة السير أو تجد صناديق خشبية متراكمة، مثل جبال شاهقة تشوه كل معالم السوق. وكلما صعدت في اتجاه آخر مجموعة بالسوق يطلق عليها اسم "سوق أكادير" إلا وارتفع الصراخ وازدادت الفوضى.
خصصت كل مجموعة لبيع نوع من الخضر أو الفواكه، حفاظا على توازن السوق، يقول مرافق "الصباح"، لكن هذه القاعدة أصبحت من الماضي، فهناك مجموعة تُباع فيها كل أنواع الخضر والفواكه، بل إن فضاء كان مخصصا للبصل عملت بعض الجمعيات على المطالبة بتسقيف فضائه، رحمة بالبائعين عند تساقط الأمطار، مما كلف ذلك مبالغ مالية كبيرة، لكن المفارقة أنه بمجرد انتهاء الأشغال غادره البائعون، واختاروا وسط الطريق لعرض سلعهم، وأحيانا اللجوء إلى نصب خيام، تماما مثل الأسواق الأسبوعية.

السماسرة.. حكم القوي
لم تف شركة التنمية المحلية "الدار البيضاء للخدمات"، بتعهدها بتنظيم السوق والرفع من مداخيله المالية لتصل إلى 14 مليار سنتيم، حسب التزامها مع مجلس المدينة.. فما الذي منع من تنمية مداخيل أكبر سوق بالمغرب؟
إنهم السماسرة، ذاك الوباء الذي جعل مداخيل السوق تتراجع بشكل كبير جدا، فمرافق "الصباح" يتحدث عن سلع تباع أكثر من مرة، بل أحيانا يفضل الفلاح بيع حمولة الشاحنة خارج السوق، مما يعرضهم إلى خسائر كبيرة، دفعت عددا من التجار إلى العزوف عن ارتياده، تفاديا للمضاربات، وتفضيل الأسواق المحيطة بالعاصمة الاقتصادية.
تعدد الوسطاء أو ما يطلق عليهم السماسرة بمثابة وباء على السوق ، فهناك "وكلاء المربعات" (40 وكيلا) أصبحوا مفلسين رغم تعاقدهم مع إدارة السوق وفق دفتر التحملات، هم يؤدون الضرائب للدولة والرواتب الشهرية للمستخدمين ونسبا مائوية للصناديق الاجتماعية، وتصل مصاريفهم إلى 20 ألف درهم شهريا، لكنهم لا يجنون إلا دراهم قليلة، في حين يستولي الوسطاء مجانا على مداخيل مالية كبيرة، دون حاجة إلى ضرائب أو مستخدمين.
وشجع تعدد الوسطاء في التلاعب بالتسعيرة، فتراجعت المداخيل، فلا مراقبة صارمة، كما عاينت ذلك "الصباح"، علما أن إدارة السوق يوجد بها حوالي 270 موظفا، والنتيجة أن مداخيل السوق لم تتجاوز سقف 12 مليارا و600 مليون هذه السنة، و هو رقم سبق تحصيله قبل سنة، أي في فترة التدبير المباشر للمجلس الجماعي البيضاوي.
حسب عدد من التقارير، لجأت الشركة المكلفة بتسيير السوق إلى تغطية الشمس بالغربال لتبرير فشلها، فقد استخلصت بعض الديون من بعض الدائنين كالوكلاء، وبعض مستحقات الأكرية، ولم يتجاوز هذا الاستخلاص مبلغ 500 مليون سنتيم، وذلك بهدف تجاوز الرقم السابق، ليصبح المدخول هو 13 مليارا و100 مليون سنتيم. وهي مداخيل ليست خالصة، إذا علمنا أن الشركة المدبرة ستقتطع حسب الاتفاق مع المجلس الجماعي، 10 في المائة من هذا المدخول ، بالإضافة إلى مستحقات الصفقات التي أبرمتها هذه الشركة، مع شركات مياومة من أجل القيام بأعمال الإصلاح والصيانة، التي يتطلبها السوق.
إعفاء المدير العام... الشجرة التي تخفي الغابة
أعفى المدير العام "للدار البيضاء للخدمات"، خلال الأيام القليلة الماضية، مدير سوق الجملة للخضر والفواكه من مهامه، تحت مبرر "تردي المداخيل المالية للسوق وتدهور البنية التحتية للسوق"، علما أن الأخير باشر مهامه في يوليوز من 2015، أي ستة أشهر قبل أن تباشر شركة "الدار البيضاء للخدمات" تدبيرها للسوق بشكل رسمي، بأجر شهري بلغ 50 ألف درهم، دون أن ينجح في تنمية مداخيل السوق التي عرفت تراجعا قويا مقارنة مع التوقعات المرتقبة لهذه السنة الجارية.
وجد مجلس المدينة والشركة المسيرة للسوق نفسيهما في ورطة نتيجة عدم تحقيق الوعود، علما أن جميع العاملين في السوق، يؤكدون عدم اتخاذ ولو قرار واحد اتخذ في هذه الفترة من الممكن أن يؤدي إلى ارتفاع المداخيل المالية، فشركة التنمية المحلية حددت رقما مبالغا فيه، مقارنة مع المشاكل التي يعانيها هذا الفضاء، والتزمت ب 14 مليار سنتيم في السنة، والنتيجة أنها لم تتمكن من الوصول إلى المعدلات التي كان يحصلها مجلس المدينة، من خلال تدبيره المباشر، إذ كانت في أسوأ الأحوال لاتقل عن سقف 9 ملايير.
لا تتيه في تفاصيل سوق الجملة للخضر والفواكه، ولا تفكر، كما سبق الإشارة إلى ذلك، في زيارته، فحتى زيارة كبار المسؤولين له لم تنجح في وقف الفوضى.... إنه قانون الأقوى.

الإدريسي: 85 في المائة من المتعاملين "شناقة"
قال حسن فريد الإدريسي، رئيس الجمعية المغربية للتجارة والخدمات بسوق الجملة للخضر والفواكه ورئيس جمعية أجيال حب الوطن من طنجة إلى لكويرة، إن المشاكل التي يعرفها سوق الجملة بالبيضاء كثيرة جدا، سواء تعلق الأمر بمؤاخذات على السلطات المحلية أو الشركة التي خول لها مجلس المدينة تدبير السوق.
وأوضح الإدريسي، في لقاء مع "الصباح"، أن السوق يعاني كثيرا، الآن، وتكفي معاينة جميع مرافقه التي تعاني الفوضى والتسيب، فالطرق ومواقف السيارات أصبحت محتلة بالخيام البلاستيكية، وسوق "أكادير" لا يختلف كثيرا عن الأسواق العشوائية، حتى إن الباعة غادروا الفضاء المخصص لهم لعرض السلع في الطرقات والممرات.
وذكر الإدريسي أن الباعة المتجولين أصبحوا مشكلا حقيقيا، فهناك بائعو الأحذية والملابس والأكلات الخفيفة غير المرخص لها، علما أن السلطات المحلية وباقي المسؤولين غائبون عن السوق.
وقال الإدريسي:"ما أتحدث عنه هو الخوف على مستقبل السوق، فأصحاب المتاجر أصبح ما يناهز 85 في المائة منهم "شناقة" وأصحاب "المربعات" كذلك، ناهيك عن فوضى الطرقات والحفر والمستنقعات والبرك، دون الحديث عن الصناديق الفارغة المتراكمة منذ سنوات والتي تشوه الفضاء".
وكشف الإدريسي عن بعض الاختلالات التي يعرفها السوق، فتحديد السعر، حاليا، يتم الاثنين والخميس، علما أنه يجب تحديد الثمن حسب فصول السنة ووفق العرض مع تخفيض الأثمنة مما سيساهم في ارتفاع المداخيل المالية من جهة، ووصول الخضر والفواكه بأسعار في متناول جميع المغاربة، مهما اختلفت شرائحهم"، مشيرا إلى أن كبار التجار يفضلون التوجه إلى أسواق أخرى في محيط البيضاء عوض سوق الجملة، وهو ما يفرض تدخلا عاجلا وليس "ترك الجمل بما حمل".

خالد العطاوي

تحقيقات