الخميس 14 دجنبر 2017
آخر الأخبار
مغاربة العالم
تابعونا على الفايسبوك

إعادة تأهيل المدينة القديمة… السرعة القصوى

بدر الدين عتيقي/عن: الصباح الثلاثاء 27 دجنبر 2016

الوكالة الحضرية للبيضاء تكثف أشغال مشاريع الترميم والبناء وأربعة منجزات سوسيو اقتصادية تحظى بتدشين ملكي

بلغ مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة، الذي تدبره الوكالة الحضرية للبيضاء، مراحل متقدمة، في إطار شطره الثاني، إذ كشفت الزيارة الملكية الأخيرة للعاصمة الاقتصادية عن بعض ملامح هذا التقدم، من خلال التدشين الملكي لأربعة مشاريع جديدة ذات طابع اجتماعي وديني في المدينة العتيقة، يتعلق الأمر بالمركز الصحي 9 يوليوز ودار النسيج، إلى جانب مشروعي ترميم ضريح سيدي علال القيرواني والمعبد اليهودي «التدغي». هذه المشاريع أثرت إيجابا على النسيج السوسيو اقتصادي للمنطقة، التي تندرج ضمن المسار السياحي للمدينة. وتنسجم مع المخطط الملكي الكبير لتنمية البيضاء، الذي يستهدف إيجاد شروط تنمية متناغمة ومستدامة، وذلك من خلال تحسين ظروف عيش السكان، وتعزيز الخدمات والبنيات التحتية الأساسية، فيما أتاحت مشاريع الحفاظ على الموروث الثقافي والتاريخي للمدينة القديمة، الانفتاح على محيطها وضمان إطار عيش ملائم، وكذا الانخراط في التطور التنموي المتسارع للمدينة.

تحولت المدينة القديمة منذ 2010، تاريخ انطلاق مشروع إعادة تأهيلها، إلى أحد أكبر الأوراش المفتوحة في المملكة. آليات بناء صغيرة وأخرى ضخمة، تجاهد للمرور بين شوارع وأزقة المدينة الضيقة، لتغذي الأوراش المفتوحة في نقط ومناطق بعينها. لوحات ضخمة معلقة على كل ورش، لا تخلو من بصمة الوكالة الحضرية للبيضاء، باعتبارها الجهة صاحبة المشروع « maitre d>ouvrage»، إذ جندت كافة إمكانياتها المادية والبشرية، لغاية تأمين تنفيذ المشاريع المبرمجة في إطار المشروع الإستراتيجي المذكور، الذي يمتد إلى غاية 2018، إلى جانب شركائها، وعلى رأسهم شركة «نوفيك»، فرع الهندسة والتنسيق التابع لصندوق الإيداع والتدبير. يتابع مسؤولو الوكالة بشكل دائم سير العمل في الأوراش، ويحرصون على الدقة فيها، باعتبار أن الأشغال تهم ترميما لبنايات تراثية، كما هو الحال بالنسبة إلى مشروع تهيئة دار الاتحاد، التي كانت في ما مضى، مقر سكنى المقيم العام الفرنسي خلال فترة الحماية.

ويوضح وسيم مبروك، مهندس متخصص، مسؤول عن مشروع لدى «نوفيك»، أنه تم تدبير مشاريع تأهيل المدينة القديمة بالتنسيق مع مهندسين معماريين معروفين في مجال تخصصهم، عمدوا بشكل تطوعي إلى تقديم تصاميم هندسية، ومتابعة الأوراش الخاصة بترميم البنيات، التي كانت محل تدشين ملكي أخيرا، يتعلق الأمر بمكاتب الهندسة لحلو وبرادة، وكذا عراقي وزريول، مؤكدا أن جميع التصاميم راعت البعد التاريخي للبنايات، من خلال الاحتفاظ بمجموعة من القطع والملامح المعمارية الأصلية، التي تميز هذه المنطقة التاريخية في البيضاء.

الصحة للجميع

حرص مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة في شطره الثاني، حسب مسؤول في الوكالة الحضرية للبيضاء، على البعد السوسيو اقتصادي في المشاريع المبرمجة، سواء تعلق الأمر بترميم بنايات أو تشييد أخرى جديدة، أو إعادة تحويل نشاط بعض البنايات، يتعلق الأمر بضمان التوازن الاجتماعي داخل هذه المنطقة الحيوية في البيضاء، التي تعرف كثافة سكانية عالية، فعلى مستوى الخدمات الصحية، ظل سكان أحياء المدينة العتيقة، يعانون طيلة سنوات بسبب الخصاص في هذا النوع من الخدمات، ليشكلوا عبئا إضافيا على مستشفيات أخرى مثل الصوفي وابن رشد، قبل أن ينطلق مشروع إعادة بناء المركز الصحي «9 يوليوز»، الذي استغرق سنة من العمل، حرصت خلاله الوكالة، الجهة صاحبة المشروع، على تضمينه مجموعة من المرافق والفضاءات، بما يلبي حاجيات السكان، وهي الجهود التي توجت بفضاء استشفائي من المستوى الثاني، مؤهلا لاستقبال 200 ألف زائر.

وبهذا الخصوص، تحدثت رشيدة غنضر، المسؤولة عن المركز الصحي «9 يوليوز»، عن فضاء استشفاء من ثلاثة مستويات، يمتد على مساحة 800 متر مربع، موضحة أن المركز الذي تم تدشينه أخيرا، شرع في استقبال بين 400 مريض و500 يوميا، أغلبهم من النساء والأطفال، فيما يتوفر المركز على قاعات للفحص، تهم تخصصات الطب العام وصحة «الأم والطفل»، وكذا طب الأسنان والعيون، إلى جانب طب الكلي والغدد، إضافة إلى طب القلب والشرايين، وتشخيص سرطان الثدي وعنق الرحم، ناهيك عن مختبر وصيدلية، وقاعات للعلاجات والمستعجلات. وعاينت «الصباح»، توافد العشرات من الزوار على المركز منذ ساعات الصباح الأولى، تحديدا الأطفال، لغاية تلقي التلقيحات الأساسية، وهو الأمر الذي تعتبره غنضر إيجابيا، مؤكدة أن إقبال الأمهات على تلقيح أبنائهن، يظهر تنامي الوعي الصحي لسكان المدينة القديمة، باعتبار أن التحسيس ورفع الوعي أحد أهم أهداف المركز الصحي.

ترميم الضريح

شكل المركز الصحي بالنسبة إلى سكان المدينة القديمة هدية رأس السنة، كما توضح كلثوم، زائرة، لجأت إلى المركز بعد أن أنهكها مسار يومي نحو المركز الاستشفائي ابن رشد، من أجل متابعة علاج طفلها الذي لم يتجاوز ست سنوات، إذ يعاني مشاكل على مستوى البصر، أرقت حياة أسرته، التي يجاور سكنها مزارا دينيا، شمله مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة في شطره الثاني، يتعلق الأمر بضريح سيدي علال القيرواني، الذي خضع لإعادة ترميم من قبل الوكالة الحضرية للبيضاء، بالتنسيق مع مكتب الهندسة العراقي، المتخصص في ترميم البنايات الدينية، إذ حرصت الجهة صاحبة المشروع على الحفاظ على الطابع المعماري التقليدي، المتمثل في الفسيفساء والزليج البلدي، وكذا الأعمال الخشبية التي طبعت باحة الضريح والمصلى، إلى جانب بعض التحديثات الأخرى، إذ يوضح المسؤول عن تنسيق المشروع في شركة «نوفيك»، أنها همت عصرنة المراحيض، وتضمين التصميم الهندسي للمبنى، مداخل ومخارج السلامة، وتدابير الوقاية من الحرائق، إضافة إلى تجهيز محلين تجاريين مرفقين بالضريح، سيتم تأجيرهما لاحقا.

ورحب سكان المدينة القديمة بمشروع ترميم الضريح، إذ يمثل حمولة ثقافية وتاريخية مهمة في نفوسهم، فيما تتضارب الروايات حول هذا الولي الصالح، إذ يتحدث أحد القيمين على الضريح، عن أصول الولي التونسية، التي تعود إلى مدينة القيروان، ذلك أن سفينته تحطمت على سواحل البيضاء خلال القرن الثامن عشر، فنجا وحيدا من هذا الحادث، فيما فقد ابنته، ليستوطن بالمنطقة، ويعلم بعض أهلها حرفة الصيد، ويحفظهم القرآن الكريم، الأمر الذي رفع شعبيته بين الناس، الذين أصبحوا يتبركون به بعد مماته، في الوقت الذي توضح مصادر تاريخية أن الضريح نجا من التدمير بعد زلزال ضرب البيضاء، وأتى على جميع البنايات في المدينة القديمة. ويتحدث القيم على الضريح، عن استمرار زيارة حفدة الولي له سنويا من تونس، إذ يفدون بشكل متواصل عليه، لغاية الترحم على قبره.

معبد «التدغي»

همت مشاريع ترميم المعالم الدينية في المدينة القديمة المعبد اليهودي «التدغي»، الذي يعتبر أحد أقدم المآثر اليهودية في المنطقة، إذ حظي إلى جانب ضريح سيدي علال القيرواني بتدشين ملكي، توج سنة من العمل، حسب المهندس المكلف بتنسيق المشروع، الذي تحدث عن عملية ترميم واسعة للفضاء، تخللتها أعمال هدم جدران وتغيير معالم أخرى، قبل الوصول إلى شكله النهائي، الذي ينسجم مع طبيعة المعمار الديني اليهودي، استنادا إلى تصميم أنجزه مكتب الهندسة برادة بالرباط، بالتنسيق مع مجلس الطوائف اليهودية، وتضمن أيضا متحف «الملاح»، المرفق بالمعبد، والذي يرصد مسار ثقافة وحياة اليهود بالملاح في البيضاء، من خلال عرض مجموعة من المعروضات والصور.

ويوضح المهندس أنه تم الحرص خلال عملية الترميم، على تجهيز المعبد، على غرار ضريح سيدي علال القيرواني، بمداخل ومخارج الطوارئ، وكذا وسائل مكافحة الحريق، علما أن المعبد «التدغي»، لم يفتح بعد في وجه الزوار، في انتظار استكمال بعض الترتيبات من قبل القيمين عليه، مشددا على أنه تم الاحتفاظ بقطع أصلية من الزليج والبلاط، وكذا بعض الإكسسوارات، ومزجها مع مواد بناء جديدة، من أجل الحفاظ على عراقة المكان، وتمكين الزوار من استطلاع تاريخ المعبد الذي لاقى ترميمه ترحيبا من قبل الطائفة اليهودية، الذين يواصلون العمل على ترميم مجموعة من المعابد في المدينة القديمة ومنطقة سيدي بليوط في البيضاء، في الوقت الذي لم يخف المسؤول، وجود مشاكل على مستوى تنفيذ الأشغال في الأوراش المتمركزة في عمق المدينة العتيقة، بسبب ضيق المسالك الطرقية، وعدم توفر فضاءات كافية لتوقف المركبات وآليات البناء.

“دار النسيج”… مهد الزربية المديونية

استحوذت مشاريع القرب ذات الطابع السوسيو اقتصادي، على حيز مهم من مجال تدخل الوكالة الحضرية للبيضاء، في إطار تنفيذ الشطر الثاني من إعادة تأهيل المدينة القديمة، يتعلق الأمر تحديدا بـ»دار النسيج»، المشروع الذي حظي بتدشين ملكي أخيرا، إذ أشرفت الوكالة باعتبارها الجهة صاحب المشروع على أشغال تحويل مستودع في منطقة بوسمارة، إلى فضاء لتصنيع منتوجات النسيج، تدبره تعاونية «المنال».

المشروع من تصميم مكتب الهندسة زريول، فيما تتألف البناية من ثلاثة مستويات، خصص الطابق الأرضي للعرض والبيع المباشر، فيما احتضن الطابق الموالي مشغلا لتصنيع المنسوجات. أما المستوى الأخير، فتم توجيهه إلى التكوين وتخزين المواد الأولية. وتتحدث نادية ميران، المسؤولة عن «دار النسيج»، عن مشروع وفر دخلا لأزيد من 26 امرأة، وساهم في الحفاظ على الموروث الثقافي للزربية المديونية، التي تميز البيضاء عن غيرها من مناطق المملكة، موضحة أن الدار تمثل فضاء للنسوة من أجل استغلال مهاراتهن في النسيج، وتسويق منتوجاتهن بشكل مباشر، دون وساطة.

إعادة التأهيل… الورش المفتوح

يعد الشطر الثاني لمشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة، الذي تشرف على تنفيذه الوكالة الحضرية للبيضاء، امتدادا للمنجزات الكبرى المسطرة في إطار البرنامج الأول، الذي شمل تأهيل البنيات التحتية والمساحات العمومية والطرق، وكذا ترميم الأسوار والأبواب، بغلاف مالي بلغ 300 مليون درهم. ويكتسي البرنامج أبعادا اجتماعية واقتصادية، كما يستهدف مواصلة تعزيز التنمية المستدامة وتسريع الدينامية التي أحدثها البرنامج الأول، والنهوض بأوضاع سكان المدينة القديمة، ودمجهم في النسيج الاقتصادي الذي يعرف تحولات إيجابية مهمة.

وترتكز مشاريع إعادة تأهيل المدينة القديمة، التي انتقلت إلى السرعة القصوى أخيرا، على مجموعة محاور، تهم مواصلة تحسين ظروف العيش والسكن، وإنعاش قطاع التجارة والصناعة التقليدية والسياحة، وكذا إدماج الشباب والنساء ذوي الاحتياجات الخاصة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب تنمية المجالات الثقافية والفنية، وتأهيل البنايات ذات القيمة المعمارية والتراثية.

ويحرص هذا البرنامج على تحسين ظروف عيش سكان المدينة القديمة، عبر مواصلة عملية إسكان الأسر القاطنة بالبنايات الآيلة للسقوط، التي تهم 911 أسرة متبقية، من أصل ألف و40 أسرة معنية، أي ما يمثل 9 % من مجموع أسر المنطقة. أما تعزيز البنية التحتية وصيانة البنايات، فيشمل تنقيل وتقوية المحولات الكهربائية، وتحسين جمالية الواجهات بالمحاور الرئيسية، وكذا تنظيم وقوف السيارات بمحيط المدينة العتيقة، إضافة إلى إعداد دليل لتقنين أشغال ترميم وإصلاح البنايات.

بدر الدين عتيقي/عن:الصبـاح