الخميس 14 دجنبر 2017
آخر الأخبار
مغاربة العالم
تابعونا على الفايسبوك

«مغارة طوما».. نصف مليون سنة من تاريخ المغاربة في مهبّ الإهمال

محمد لديب/ عن : هيسبريس السبت 15 أبريل 2017

محمد لديب/ عن : هيسبريس

في مدينة الدار البيضاء، بمنطقة «عين الذئاب» تحديدا، عاش وحيد القرن وأسد الأطلس والدب والغزال إلى جانب إنسان «أومو روديسينسيس»، قبل 500 ألف سنة قبل الميلاد؛ وهو معطى لا تعلمه إلا القلة القليلة من الخبراء الأركيولوجيين.

اكتشف عمر المستحث البشري منذ أربع سنوات فقط بموقع «طوما» في الحي الحسني بمغارة «البقايا البشرية» التي اكتشفت بدورها بمحض الصدفة من لدن مواطن فرنسي كان يشتغل في مقلع لنقل الصخور لبناء رصيف ميناء الدار البيضاء الذي كان يشيد آنذاك في سنة 1963.

موقع أركيولوجي مهمل

غير بعيد عن شاطئ عين الذئاب الشهير، على طريق أزمور بمحاذاة منطقة الحي الحسني بالجنوب الغربي لمدينة الدار البيضاء، يوجد هذا الموقع الذي يعدّ واحدا من أهم المواقع الأركيولوجية الأكثر شهرة في أوساط الباحثين الفرنسيين وبعض المتخصصين المغاربة المهتمين بالأثار، والذي اكتشفت فيه مجموعة من أجزاء الهياكل العظمية لآدميين عاشوا منذ 500 ألف سنة على أرض مدينة الدار البيضاء.

زيارة ميدانية إلى الموقع الأركيولوجي «طوما»، الذي ما زال محط أطماع منعشين عقاريين اغتنوا وأصبحوا من أصحاب الملايير بفضل شقق السكن الاجتماعي التي لم تكن تكلفهم سوى 60 ألف درهم ويسوقونها بمبالغ 250 ألف درهم و300 ألف درهم شاملة لـ«النوار»، تتيح للزائر رؤية بعض أجزاء الهيكل العظمي لمستحقات حيوانية بأم عينيه، وهو ما وثقته هسبريس بالصوت والصورة أثناء زيارتها لعين المكان، وسط متابعة لصيقة لمجموعة من«"المخبرين» العاملين لفائدة أحد المنعشين العقاريين الذي يسعى منذ سنوات إلى ردم هذا الموقع الأثري قصد إقامة مشاريعه السكنية بعين المكان، بالرغم من علمه بأهميته التاريخية.

الصدفة لوحدها هي التي وقفت وراء اكتشاف فك سفلي لأقدم كائن بشري في المنطقة والمغرب سنة 1963 من لدن مواطن فرنسي، يقول حارس الموقع؛ قبل أن يتم في هذا الموقع، الشهير بلقب "مغارة البقايا البشرية"، العثور على مستحث بشري عبارة عن جسم عظم الفخذ ينسب إلى إنسان "أومو روديسينسيس".

مهد الإنسان المغربي القديم

مباشرة بعد الاكتشاف الأول الذي جرى في مطلع سنوات الستينيات، توالى توافد فرق الأبحاث الأركيولوجية منذ سنوات، حيث اكتشفت بقايا مستحقات بشرية وحيوانية، ليكتشف فريق علمي مغربي فرنسي مستحثا بشريا جديدا بموقع طوما 1؛ وهو ما جعل كل الخبراء الأركيولوجيين يؤكدون أن مدينة الدار البيضاء تعد مهد الإنسان القديم بالمغرب، خاصة بعد تأكدهم من أنه الأمر يتعلق بأقدم بقايا بشرية يتم العثور عليها بالمغرب.

هذا الاكتشاف، الذي يعود إلى ثلاث أو أربع سنوات مضت، دفع عبد الرحيم محب، المشرف على البحث في ذلك الوقت، إلى أن يشدد على الأهمية البالغة لهذا الاكتشاف بالنسبة إلى تطور الإنسان القديم بشمال إفريقيا وجنوب أوروبا.

 

حارس بإمكانات الإنسان القديم

موقع "طوما" التاريخي، الذي يحتوي على المستحثات البشرية والحيوانية يزيد عمرها عن 500 ألف سنة، يراقبه حارس يقيم في بيت لا يتوفر على أدنى شروط الحياة الكريمة ومقوماتها الدنيا الحديثة

وبالرغم من الحرمان الذي يعيشه هذا الحارس متوسط العمر فإنه لا يبخل بالمعلومات التي جمعها عن المكان من خلال احتكاكه بالخبير المغربي عبد الرحيم محب، الذي يعتبر من القلائل الذين ما زالوا يكافحون من أجل حماية هذا الموقع المعرض للإهمال من لدن المصالح المختصة بوزارة الثقافة وبولاية الدار البيضاء.

"هذا الإهمال ليس بالغريب على مسؤولي ولاية الدار البيضاء ولا مندوبية وزارة الثقافة بالدار البيضاء ولا بعض موظفيها المنشقين عن حماية ما تبقى من آثار في الدار البيضاء"، يقول موسى سراج الدين، المهتم بحماية آثار الدار البيضاء.

وتساءل المتحدث: "كيف يمكن المسؤولين تبرير غياب الماء الصالح للشرب والكهرباء عن بيت الحارس وسط الموقع، ونفرض عليه أن يعيش على المنوال نفسه الذي عاش به إنسان أومو روديسينسيس".

وأضاف موسى سراج الدين: "عندما دخلت إلى هذا المكان شعرت برهبة، لأن هذا المكان يختزل بداية الحياة على أرض الدار البيضاء، وهو الآن يواجه الإهمال، في ظل غياب أدنى اهتمام لحمايته أو جعله قبلة سياحية لساكنة المدينة، من أجل الاطلاع على أولى مراحل الحضارة البشرية على أرض مدينتنا؛ لكن هذا الإهمال هو الشيء الوحيد الذي يتقنه كل مسؤولي مدينة الدار البيضاء بالولاية ومجلس المدينة ومندوبية وزارة الثقافة، الذين يراقبون جميعا تلاشي كل شيء يربط البيضاويين بتاريخهم، بما فيه الحقبة الحجرية وليس مرحلة الحماية الفرنسية فقط"، يقول المهتم بحماية آثار الدار البيضاء بكثير من الألم والحرقة اللذين يعتصران قلبه.