الخميس 21 شتنبر 2017

الرجاء العالمي ..تاريخ قلعة النسور

آخر الأخبار
تابعونا على الفايسبوك

غشت 1907.... أيام النار والحديد بالبيضاء

عزيز المجدوب / عن الصباح الأربعاء 16 غشت 2017

عندما قنبل الفرنسيون المدينة القديمة وحولوها إلى خراب

 حلت أخيرا، الذاكرة العاشرة بعد المائة لأحداث الدار البيضاء الدموية، التي مهدت لدخول الاستعمار الفرنسي بالمغرب انطلاقا من بوابة البيضاء والشاوية. في هذا الملف تحاول "الصباح" استعادة جوانب من هذه الأحداث التي تشكل محطة مهمة من تاريخ المغرب.

إنجاز: عزيز المجدوب

هي ثلاثة أيام فقط، كانت كافية لتحول الرقعة الأكثر حيوية في الدار البيضاء، إلى خراب ودمار وحرائق وبقايا دخان متصاعد من أثر العدوان الذي استهدف معظم أحياء المدينة القديمة، التي كانت تشكل نواة المدينة بسورها المحيط بها، والذي لم تكن خارجه سوى الحقول والبساتين الممتدة في كل الاتجاهات، ليأتي العدوان غربا من جهة البحر.

آلاف القتلى الذين اختلفت المصادر في تحديد عددهم على وجه الدقة، إلا أن أغلبها يؤكد أن عددهم تجاوز ستة آلاف قتيل، دفن أغلبهم في مقبرة جماعية تقوم على أنقاضها حاليا حديقة "عرصة الزرقطوني" بالمدينة القديمة والتي كانت تسمى سابقة "عرصة فرنسيس".

يشير الباحث علال الخديمي في كتابه "التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب 1894 ـ 1910.. حادثة احتلال الدار البيضاء والشاوية" إلى أن المقدمات المباشرة الهجوم على الدار البيضاء ما بين 5 و 7 غشت 1907، ابتدأت يوم 30 يوليوز من السنة نفسها، عندما حاول سكان الشاوية من مدينيين وبدويين إيقاف عمال "الشركة المغربية" بميناء البيضاء، ونتج عن ذلك شجار قتل فيه تسعة عمال أجانب.

وتذرع الفرنسيون، يضيف الباحث نفسه، بهذا الحادث ليقرروا بعد ذلك إرسال أسطول مدرع، وقوات إنزال لاحتلال المدينة أولا والشاوية بعد ذلك، ومهد الفرنسيون لذلك بقنبَلة الدار البيضاء وتخريبها فوق سكانها الآمنين فجر يوم 5 غشت، وفي يوم 7 غشت شرع الأسطول الفرنسي في إنزال القوات الفرنسية بينما كانت عملية القنبلة مستمرة للحيلولة دون اقتراب مجاهدي القبائل.

 

كرونولوجيا ما قبل المجزرة

في 24 من ماي 1907 كانت كل من شركتي المناولة "شنايدر" و "سي" تقومان بأعمال بناء و توسيع ميناء المدينة لصالح الشركة المغربية (المملوكة للدولة) و الشركة الفرنسية للمقاولات .

في 4 من شهر يوليوز 1907 وقرار سلطاني يجبر امناء الجمارك المغربية في الموانئ بقبول وجود عناصر من الجمارك الفرنسية مكلفين باستخلاص نسبة خاصة بحكومتهم دائما في اطار مقررات المؤتمر الاستعماري

في 29 من نفس الشهر يقوم وفد من القبائل المجاورة للمدينة بالالتقاء بخليفة السلطان على المنطقة مطالبين إياه بوقف الأشغال في الميناء لما يشكله ذالك من خطورة على السيادة الوطنية و في وقت لاحق التقى وفد آخر بحاكم المدينة أبا بكر السلاوي ورفع له الطلب نفسه.

يوم واحد بعد ذالك المدينة كلها تغلي و السكان يخرجون للمطالبة بإيقاف الاشغال في الميناء ومغادرة الاجانب و في فورة الغضب اتجهوا الى الميناء فقتلوا 10 عاملين (4 فرنسيين و 3 اسبان و ايطاليان و برتغالي واحد)

في اليوم نفسه جميع افراد الجالية الفرنسية و اليهود المغاربة يغادرون ليلا نحو الميناء ثم يصعدون على متن باخرة تجارية إنجليزية تنقلهم الى جبل طارق

فرنسا تقرر ارسال البارجة (غاليلي) بالإضافة إلى (لوكوندي) و (دو شايلا) ..فيما ارسلت اسبانيا المدمرة (الفارو)

 

العملية

منذ تاريخ قدوم البارجات الفرنسية ظلت راسية في المياه الإقليمية المغربية بدعوى مراقبة الأوضاع لكن التغير الكبير وقع في يوم 2 غشت من سنة 1907 إذ سيطلب الفرنسيون من الجيش المغربي السماح بإنزال صناديق كبيرة وشحنها إلى القنصلية الفرنسية وادعائهم بان الصناديق تحتوي على مواد غذائية من اجل الدبلوماسيين فيما كانت تحمل أسلحة .

في فجر الخامس من شهر غشت 1907 كوموندو من مشاة البحرية الفرنسية من 66 فردا ينزلون من البارجة غاليلي و ينطلقون نحو مقر القنصلية الفرنسية في المدينة و يقعون في اشتباك مع قوات الجيش المغربي التي كانت تحمي القنصلية فيستشهد 15 جنديا وضابطا مغربي و يصاب 6 جنود من الكومندو الفرنسي الذي كان دليله اليهودي المغربي (موشي زاغري).

 

أيام النار والدم

بعد ذاك بدأ القصف العنيف على احياء المدينة بإستثناء الحي الغربي الديبلوماسي حيث مقر القنصلية الفرنسية التي أصبحت مقر العمليات لاحتلال المدينة .

وفي غمرة القصف تبدأ عملية الانزال من البارجات الفرنسية و الاسبانية يوم 6 غشت

45 جنديا من من "غاليلي" و 75 من "دوشيلا" و 44 من فوربين و 20 من البارجة الاسبانية الفارو وشقت هاته القوات طريقها بصعوبة بالغة تحت نيران الجيش المغربي في اتجاه مقر القنصلية الفرنسية ..ما أدى إلى مقتل جنديين فرنسين و جرح 19 .. كان القصف عشوائيا واستمر طيلة يوميين كاملين .

بفعل القصف الوحشي المتواصل طيلة أيام على المدينة، عمد سكانها إلى الاحتماء بالسور الجديد حيث تواجد "محلة" مولاي الأمين، تبعا لاتفاقه مع القنصل الفرنسي، بلجوء المدنيين من السكان إلى السور الجديد، وعندما تم تجميعهم هناك بجانب جموع المحلة السلطانية، صبت عليهم القذائف المحرقة، فحولت جمعهم إلى ركام من الجثث المفحمة، وصف ابن زيدان هذه المجزرة قائلا : "وفي عشية يوم الأربعاء 7 غشت، أطلقت الذارعتان الفرنسيتان قنابلهما على الملتجئين بالسور الجديد...."، وينضاف وصف الصحافي بوردون للحادث، (بوردون، أيام في الدار البيضاء) : "إن ما وضحه لي من بعد-يقصد أحد المدنيين الفرنسيين الذي شارك في قتل الكثيرين من السكان- ويدعى ميرسي. إنها المجزرة الأكثر فظاعة والأكثر بشاعة...» يضيف الصحفي متأثرا بهول المجزرة : "...لا، لا لقد استيقظ قلبي ولن أبين مدى ذلك. هذا الجندي المخزني الذي فقد وجهه، وذو الفم المتورم الملتوي، الذي أزال له القصف ثلاثة أرباع رأسه. وهذه المرأة الحامل التي ولدت هناك وسط الرعب والفزع، وسقطت ميتة ورأسها محني إلى الأمام..".

نتائج الحادثة

كان أثر الفاجعة كبيرا لدرجة أنها كانت سببا مباشرا لما حدث من تغيير على مستوى الحكم في المغرب. إذ دفعت هذه الحادثة المولى عبد الحفيظ أخ السلطان عبد العزيز وخليفته في مراكش إلى إعلان بيعته سلطانا بالمدينةـ وعزل أخيه من الملك. كما وجد سكان فاس وعلماؤها في احتلال الدار البيضاء الذريعة التي اعتمدوا عليها لإعلان بيعتهم لمولاي عبد الحفيظ.

حليفي: المغرب سيربح إذا تصالح مع ذاكرته

قال الدكتور شعيب حليفي إن تخليد ذكرى أحداث غشت 1907 له دلالات كثيرة تصالح المغاربة مع تاريخهم. وطالب الباحث في الأدب والتاريخ بأن يتم إعادة الاعتبار لشهداء الأحداث والتعامل مع الحدث بما يليق من الرمزية والدلالات.

ـ هل ما زال لتخليد ذكرى أحداث 6 و7 غشت 1907 بالدار البيضاء مغزى أو ما معنى استحضار هذه الذكرى؟

ـ بكل تأكيد، إن حدث غشت 1907 بالدار البيضاء والشاوية هو واحد من أهم الأحداث في تاريخ المغرب الحديث لعدة اعتبارات، فبالإضافة إلى أنه شكل بداية الاحتلال الفعلية فإنه قد منح المغرب والمغاربة فرصة نبذ خلافاتهم القبلية والهامشية وتشكل حس وطني امتزج فيه الجهاد البطولي بمعرفة شعبية ..تتضمن الديني والثقافي. إن ما حققته هذه الأحداث كان على مستوى تجديد الروح المغربية التي عرفت عقودا قبل هذا التاريخ نوعا من التراخي واليأس رغم حادثين سابقين في القرن التاسع عشر ، حربي إسلي وتطوان، والدليل هو أن المتتبع لها من المؤرخين والأدباء والاعلاميين ،بعد مرور 110 سنوات يجدون حتى الآن صداها في ذاكرة ووجدان الدار البيضاء والشاوية ، مما يشكل ملحمة ضائعة في ما تم تأليفه أو في الأغنية والحكايات الشفوية.

ـ هل تم التعامل بالجدية اللازمة من قبل المؤرخين والباحثين وأيضا المؤسسات الوصية مع هذا الحدث؟

ـ رغم أهمية هذا الحدث، فإن بعض الغرابة تلازمه، فقد أبان عن ضعف المخزن وربما تواطؤ بعض الجهات فيه ضد الإرادة والمقاومة الشعبية كما جعل المؤرخ الرسمي للدولة آنذاك يسب أهل الدار البيضاء والشاوية على أفعالهم. وحتى الآن فإن التاريخ الرسمي يهمل هذه الأحداث ، بل لا يعترف بها . رغم ما خلفته من تماسك وتلاحم بين المغاربة بشكل لم يسبق له مثيل. أما المؤرخون والأدباء فإنهم التفتوا إلى كل التفاصيل منذ محمد زنيبر الذي انتبه إليه عبر قصيدة ملحمية كتبت تخلد المعارك والحدث بشكل تفصيلي ، كما كتب في الموضوع مؤرخون ضمن أطاريح وأبحاث وندوات. وأذكر اننا منذ 1995 عقدنا ندوة كبرى في الموضوع وشكلنا لجنة خاصة بهذا الحدث ضمت باحثين من كل الحقول المعرفية اشتغلت وما تزال تشتغل وتنتقل إلى عدد من المواقع بالدار البيضاء والشاوية وتصدر الكتب والمقالات في الموضوع ارتباطا بتاريخ ومجال ومتخيل الدار البيضاء والشاوية.

ـ ما هي الدروس والعبر التاريخية التي يمكن استخلاصها من الاحداث الدموية التي عاشتها البيضاء وكانت مقدمة للاحتلال المباشر للمغرب؟

ـ من خلال أبحاثنا في الموضوع، اكتشفت شيئا أساسيا يتعلق باستعادة المغاربة للعديد من القيم، منها الشجاعة والإيثار والكرامة والحرية والاستشهاد والديمقراطية أيضا..بل إن ما أفرزته هذه الأحداث شكل ما يمكن تسميته انتفاضة شعبية منظمة لها أسسها وإستراتيجيتها وزعماؤها .

لقد كانت محكا ونقلة أساسية في حياتنا منحت المغاربة هوية جديدة هي بداخلهم دائما.. لكن الزمن كان قد طمرها بعد عدد من العوامل.. وكانت أحداث الدار البيضاء سببا لنفض الغبار عنها وتجديد الوعي المغربي رغم أن هذه الانتفاضة لم تكن لها نخبة مثقفة بالمعنى الحديث ، ولكن نسبتها كانت من الفلاحين والفرقان وأيضا من بعض العلماء والفقهاء .

ـ ما هي الإجراءات العملية والميدانية لاستعادة الحدث بما يلزم من الموضوعية والمصالحة مع الذاكرة؟

لابد من إرادة سياسية تعيد الاعتبار لعشرات الآلاف من الشهداء، وبالتالي هذه الأحداث التي هي جزء أساسي من تاريخنا النضالي في المقاومة الشعبية والتي تشرف تاريخنا وتمنحه ربطا طبيعيا وموضوعيا بين ما تحقق من استقلال وبين تلك البدايات الصعبة التي على الدولة المغربية من خلال مؤسساتها أن تستعيد أسماء الفرسان والأحداث والأماكن للفخر بها والحفاظ عليها، من خلال الاحتفال بها وتسمية الشوارع والمؤسسات والساحات بأسمائها في كل المدن المغربية.

إن المغرب يمكن بكل تأكيد أن يربح الشيء الكثير في تصالحه مع ذاكرته المنسية ، وهو ما لاحظنا خلال أكثر من عقدين من البحث والتواصل مع المغاربة في هذا الموضوع، بحيث منحتها معرفة تفاصيل الأحداث ذاكرة جديدة وهوية صلبة عوض الفراغ والجهل واليأس.